في احتفالية ومشهدية كبيرة في دافوس، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب “مجلس السلام”، الذي سيشرف على تنفيذ خطته في غزة في ظل انزعاج إسرائيلي كبير. صحيفة هآرتس نقلت عن قادة في الجيش الاسرائيلي قولهم: “الجيش يعتبر أن الخطة تعزز حماس ولا تلبي الاحتياجات الأمنية الاسرائيلية”! وحمل آخرون على صهر الرئيس ترامب جاريد كوشنير، قائلين: “لقد انتقم بتشكيل اللجنة التنفيذية لإدارة غزة بسبب رفضنا فتح معبر رفح وتمّ إدخال ممثلي قطر وتركيا”. وجزم نتانياهو قائلاً: “لن يكون هناك جنود أتراك وقطريون في غزة. لدينا خلاف مع صديقتنا الولايات المتحدة حول المجلس ودوره”. مضى ترامب في خطته. أعلن مجلس السلام. وقّع عليه مع غيره من ممثلي الدول المشاركة. وقال: “سنحقق نجاحاً بارزاً في غزة. سنفعل الكثير بالتعاون مع الأمم المتحدة وملتزمون بإعادة إعمارها”. وزير خارجيته ماركو روبيو قال: “استدامة اتفاق السلام في غزة أولوية لدى ترامب”. صهره جاريد كوشنير أضاف: “حققنا أكثر مما كان ممكناً. سنعمل مع حماس لنزع سلاحها. وضعنا خططاً كثيرة لتطوير غزة وتعزيز قوة سكانها بالمشاريع والفرص”.
قرارات وتصريحات أثارت حفيظة نتانياهو، الذي رفض طلباً أميركياً للسماح للرئيس الاسرائيلي اسحاق هرتسوغ بالمشاركة في مراسم إطلاق “مجلس السلام”. والأخير يرفض حتى الآن العفو عن نتانياهو المتهم بقضايا فساد ثقيلة. مسؤول أميركي قال لموقع AXIOS: “لم نخبر نتانياهو عمداً بتركيبة اللجنة التنفيذية التابعة لمجلس السلام في غزة. نحن ندير الأمور بطريقتنا ولن يتمكن نتانياهو من معارضة توجهنا”. ومعروف ان الأخير يريد فتح معبر رفح من الجانب المصري فقط فيما المطلوب فتحه بالاتجاهين المصري والاسرائيلي. حاول ربط فتحه باستلام آخر جثة رهينة اسرائيلية لدى حماس فرفض الجانب الأميركي. تكثفت الاتصالات للوصول الى تسوية حول الموضوع، لأن نتانياهو يريد إخراج الفلسطينيين عبر معبر رفح ولا يريد بالتأكيد عودة من خرج منهم، ويخشى ان يكون عدد الفلسطينيين العائدين الى القطاع أكبر من عدد الخارجين منه، خصوصاً بعد بدء مشروع إعادة الإعمار الذي أعلنت بعض الصور والأفكار حوله، والذي ستشرف عليه اللجنة التنفيذية التي اختار ترامب رجل الأعمال الأميركي الاسرائيلي باكير غباي عضواً فيه، لا يمثل رسمياً اسرائيل ولكنه في النهاية ملياردير اسرائيلي، ورجل اعمال يدير نشاطاً واسعاً في مجالات التكنولوجيا الفائقة والاستثمارات والعقارات، لافتاً الى أنه يقيم بين قبرص وبريطانيا.
نتانياهو غير قادر على رفض مشروع ترامب الآن أو عرقلته. هو يريد استمرار الاحتلال الاسرائيلي. ترامب يريد استثمار الحرب الاسرائيلية. يخوض في غرينلاند معركة تملّكها ليستثمر ثرواتها وموقعها في مواجهة “أطماع” روسيا والصين كما يقول. عملياً سيبدأ تنفيذ مشروع السيطرة على غزة دون تملّك رسمي، اعتبرها أرضاً “سائبة” يأخذها هو، يبني مشروعه مع كامل الضمانات لاسرائيل، فماذا تريد اكثر. وسبق وأشرنا الى تفاصيل المشروع في خطة جوزف بيلزمان. حتى الآن الطريق سالك في هذا الاتجاه. رئيس الموساد في واشنطن لمتابعة أمرين: تضييق رقعة الخلاف حول هذا الأمر بين الفريقين، ومواكبة التطورات على “الجبهة” الإيرانية-الأميركية- الاسرائيلية.
والمعروف ان اسرائيل تريد التخلص من النظام الإيراني وتعتبر أن الفرصة سانحة. تعبّر بغضب كبير وتهدّد وتتوعّد دولاً عربية وتركيا لتدخلها لتأخير الضربة التي كانت ستنفذ ضد إيران، لكن التوتر لا يزال قائماً واحتمال الضربة أيضاً، بعد توجيه اتهامات أميركية للقيادة الإيرانية بسعيها لإعادة تطوير برنامجها النووي وتهديدها باستهداف المصالح الأميركية ورئيسها -ولو بطريقة غير مباشرة- فما كان منه إلا أن هدّد بتحويلها الى ركام “وإزالتها من الوجود” إذا ما قتلته! المؤشرات في المنطقة تشير الى حشود واستعدادات، ولكن مع ترامب يجب دائماً توقّع المفاجآت والانقلابات على المواقف. قد يذهب الى اتفاق في أي لحظة كما أنه قد يوجّه ضربات ترضي أطرافاً في المنطقة على رأسهم اسرائيل وتطمئن آخرين. ولكنها ستخلق متغيرات كثيرة في ظل التوترات والخلافات والأحقاد العربية العربية خصوصاً في الخليج، وعملية تقسيم مواقع النفوذ التي نشهد فصولها على الأرض. في هذا الوقت نفذ بن غفير قرار هدم المركز الرئيسي لمنظمة “الأونروا” في القدس في رسالة واضحة لمحو آثارها ودورها واستباحة كل شيئ، وانطلق هجوم واسع في مدينة الخليل لإعادة “هيكلة وضعها الأمني” والامساك أكثر بكل مفاصل الأمن وظروف الحياة فيها بما يتلاءم مع الأطماع الاسرائيلية، إضافة الى السرعة الكبيرة في وتيرة الاستيطان في القدس والضفة!
مسؤولون أميركيون قالوا لزملائهم الاسرائيليين: ماذا تريدون أكثر مما تحقق لكم؟ إذا سيطرنا نحن على غزة وأطلقنا مشروعنا الاستثماري فيها، فالمستفيد الأول منه هو أنتم بعد إلغاء حماس وتفكيك بناها العسكرية، ولا نرى اعتراضاً من أحد حتى الآن، وقد صنّفنا رسمياً “الإخوان المسلمين” منظمة إرهابية حيث وجدت، واسرائيل وأمنها واستقرارها وتفوّقها التزام أميركي، وسنوسّع دائرة الاتفاقات الإبراهيمية، فماذا تريدون أكثر من ذلك؟
الجواب في العقل الاسرائيلي: هذه الأرض لنا. نحن نسيطر عليها. نبني مستقبلها. وثمة أراض عربية أخرى لنا. تخوضون معركة ضم غرينلاند لكم. تواجهون كل أوروبا. وأنتم قارة كبيرة ولديكم كل الإمكانات ولا شيئ يوقفكم أو يهددكم، لاسيما مع المتغيرات الدولية المنسجمة مع مصالحكم ونحن شركاؤكم. نحن هنا دولة صغيرة نريد أن نطمئن لمستقبلنا نهائياً. لا ننكر مساعدتكم. لكن بقاء الفلسطينيين على “أرضنا” سيبقى خطراً داهماً، والتطرف في المنطقة جزء من “عقيدة أهلها الدينية” و”نحن نعرفها أكثر منكم”! هذا هو جوهر الخلاف. اسرائيل تتأهب دائماً للانقلاب على كل الاتفاقات. المسألة مسألة وقت. قد تنجح الآن مع ترامب وقد لا تنجح، لكنها ستبقى متفوقة بالشراكة مع اميركا القائمة على قواعد الاستيلاء على أراضي الآخرين وثرواتهم، او اعتماد سياسة الضم والفرز او التملّك. وهذا ما يجري في منطقتنا، والعرب تائهون واهمون انهم لاعبون، يتقاتلون لمصلحة الشراكة المذكورة ولن ينجو أحد منهم على المدى القريب والبعيد من قواعدها!
إنه مجلس سلام ترامب والسلام على العرب.
