هم أبعد الناس عن الصدق وإن أصابوا الإجابة «الصائبة» التي عادة ما تكونوا بين خيارين لا أكثر، فإما صابت أو خابت!
ليست الحقيقة ولا الحق دائما مع ما يصوت عليه الناس في برامج «التسالي» لا التثقيف ولا الترفيه، ليسا -الحق ولا الحقيقة – دائما مع «ما يطلبه الجمهور»! فكم من الإجابات التي رفعتها صحافة «الفرقعة» في خمسينيات وستينيات وسبعينيات القرن الماضي إلى مصافّ المسلّمات، تلك المحرّمات على النقاش العام والخاص أحيانا!
«كذب المنجّمون وإن صدقوا»، حديث أثبتت صحته ودقته برامج «التبصير» في الكف والفنجان والوَدَعْ، وكل ما أتت به البدع من عالم الفضائيات العابرة للحدود، والمنصات العنكبوتية ب «قَضّها وقضيضها» من برمجيات وخوارزميات الذكاء الصناعي والتجهيل والتضليل المصنّع والمعلّب، عن بعد!
كانت تلك البرامج -برامج «الهَلْسْ» مجرد «تسالي» آخر السنة، آخر السهرة، تستضيف قارئة فنجان طريقها غير مسدود أو فهلوي يلعب «بالبيضة والحجر»، فيمررون سرديات فضحها مسلسل سوري تحدث عن عقود القمع والفساد في سوريانا الحبيبة عندما كان «مْعلّم» أحد الفروع القمعية الكثيرة المعروفة بالأرقام فقط، يستخدم «فنانة» أو «ناشطة» مغمورة «درجة عاشرة» لنشر الشائعات المصممة لغايات التلاعب بوعي الجماهير العريضة «من العمال والفلاحين والطبقة الكادحة» أو يستهدف حرق «عميل» سابق أو معارض ناشئ أو «برْوَزة» و»تلميع» من هوى عليه الرضى من أولئك التعساء الزاحفين إلى سدنة وخدم هياكل المال والنفوذ والسلطة والجاه التي شهدنا مرارا مصيرها، بإنها هياكل خاوية على عروشها كانت قائمة على رمال متحركة!
ما يؤسف ويبعث على الأسى، إصرار البعض، بحثا عما لا يسمن ولا يغني من جوع، ركوب ما يظنونه «ترِنْدا»، فيسارعون ويتسرّعون، وينتقلون من خانة المهنيين -سياسيين عاملين أو متقاعدين، صحافيين أو «مؤثرين»- ينتقلون فرادا وزرافات من خانة التحليل العلمي والاستنباط الموضوعي إلى مهالك الصعود إلى هاوية، إلى تلك النجوم الزائفة الخائبة، فينقلبون إلى حفنة من المنجّمين، فتتبع طائفة منهم قطيعا، ويتبعهم قطعان من جماعة «شاهد ما شافش حاجة!»، يفتون فيما يجهلون جهلا محرجا «مدقعا» كناية عن الفقر المعلوماتي، والتي سرعان ما تكشفه الأيام وأحيانا الساعات.
لو اقتصر الأمر على التنجيم ما كان ليلتفت إليهم أحد، لكن بعضهم -وله «خزاة العين»- سيرة ذاتية مطولة حافلة بالمراتب العلمية وأحيانا الوظيفية «المرموقة»، يسارع إلى المزاودة، ومحاولة استباق أولي الأمر من أصحاب القرار من ذوي الاختصاص، في التطوع والتبرع دون استئذان وبعيدا عن الدوائر والمجالس المختصة، فيبادرون وعبر المنابر العامة والفضاء العام إلى «التنظير» والتحشيد لا مجرد النّصح بضرورة رفض كذا وقبول كذا. لا بل ويشطح بال أحد أولئك المنجمين إلى حد التفصيل بجمل اشتراطية، فيستبقون أصحاب وصناع القرار بالتغريد بآراء حول ديباجات قرارات الرفض أو القبول المشروط؟!
حقا، من يكون هؤلاء؟! المسألة ليست عفوية، وليست «لله في لله». سارعت أسماء معروفة لدى ذوي الذاكرة القوية، غالبا ما تنشط في تلك «النصائح»، سارعت من خارج المملكة أولا، ثم من داخلها، سارعت إلى محاولة خلق رأي ومزاج عام استباقي، ما لبث وأن اتضحت نواياه.. الغريب العجيب أن بعضهم يعمل لصالح من كانوا قريبا، قريبا جدا من ترمب، في الصورة الجماعية هناك في المنتجع السويسري الشتوي الثلجي «الدافئ» في دافوس! رحم الله من قال: بُكرة بذوب الثلج وببان المرج!
