عروبة الإخباري طلال السُكرّ –
ليست طرابلس مدينة منكوبة كما يُراد تسويقها، بل مدينة مُنَكَّل بها. الفارق كبير بين قضاء وقدر، وبين إهمال يُدار بقرار. ما تعيشه طرابلس اليوم ليس سلسلة أزمات منفصلة، بل مشروع خنق متكامل: ماء يُقنَّن، كهرباء تُشيطَن، مستشفى يُغلق بوجه الفقراء، ومدينة يُطلب منها أن تصبر حتى الاختناق.
حين يصبح الموت أقل كلفة من الحياة، وحين يتحوّل الدعاء إلى بديل عن الحق، نكون أمام دولة تخلّت عن وظيفتها الأساسية، واختارت أن تراقب الانهيار من بعيد. في هذا السياق يأتي ما كتبه القامة الإعلامية المستشار أحمد درويش، لا كصرخة عاطفية، بل كتشخيص قاسٍ لواقع يُدار بلا خجل، ولمدينة تُعاقَب فقط لأنها لم تتقن فن الركوع.
ما كتبه درويش ليس مجرد توصيف لوجع طرابلس، بل لائحة اتهام مكتملة الأركان بحق منظومة سياسية وإدارية قرّرت، بوعيٍ بارد، أن تتعامل مع المدينة كعبء زائد عن الحاجة. هنا لا نتحدث عن تقصير عابر، بل عن إهمال متعمّد، متراكم، وممنهج، حوّل أبسط حقوق الناس إلى ترف، والحياة نفسها إلى عبء على الفقراء.
النص يفضح حقيقة مرعبة: في طرابلس لم يعد الموت صدمة، بل خيارًا أقل كلفة. حين يوفّر الفقير أجرة التاكسي لأنه يعلم أن سرير المستشفى لا ينتظره، نكون أمام سقوط أخلاقي للدولة قبل سقوط خدماتها. الماء مقطوع، الكهرباء مُحرَّمة، الدواء غائب، والمدينة مطالبة بالصبر وكأن الصبر سياسة عامة تُدار بها شؤون الناس.
السؤال الذي يطرحه درويش ليس بريئًا ولا عاطفيًا: هل هويتها؟ جغرافيتها؟ عروبتها؟
هو سؤال إدانة لا استفسار. لأن ما تتعرض له طرابلس لا يُفسَّر إلا باعتباره عقابًا جماعيًا لمدينة لم تدخل يومًا بازار الولاءات، ولم تُحسن لعبة الانبطاح. تعاقبت الأنظمة، وتغيّرت الوجوه، وبقي الثابت واحدًا: مدينة تُهمَّش لأنها عصيّة، وتُجَوَّع لأنها لا تُباع.
حتى الكارثة تُدار عندنا بلا خجل. انهيار، تقنين، عجز، ثم صمت رسمي ثقيل، كأن الناس أرقام زائدة في سجل الخسائر. وحده صوت العجوز: «وقِفوهم إنهم مسؤولون»، يخرج كصرخة ضمير أخيرة في بلدٍ قرر أن يدفن المحاسبة حيّة.
ومع كل هذا السواد، لا تكون طرابلس إلا كما كانت دائمًا: عصيّة على الكسر.
ستنهض طرابلس، لا لأن الإهمال سيتوب فجأة، ولا لأن السلطة ستستفيق على ضمير، بل لأن هذه المدينة خبرت القهر ولم يُروّضها. تنهض بأهلها، بكرامة فقرائها، بعناد أحيائها، وبذاكرة تعرف جيدًا من خذلها ومن صمد معها. تنهض لأنها مدينة لم تُهزم يومًا رغم كل محاولات الإخضاع، ولأن الظلم مهما طال لا يصنع قدرًا.
طرابلس، عاصمة الشمال الشهباء، ليست مدينة موت كما أرادوها، بل مدينة حياة مؤجَّلة. وكل شمعة أُضيئت قسرًا، وكل صبر فُرض ظلمًا، وكل دعاء خرج من قلب مكسور، هو رصيد نهوض لا يُقاس بالأرقام. سيأتي يوم تُستعاد فيه الدولة من خاطفيها، ويُعاد الاعتبار لمدينة دفعت أكثر مما ينبغي ولم تطلب إلا حقها.
وحين تنهض طرابلس، لن تنهض للانتقام، بل للشهادة: شهادة أن المدن التي يُراد لها أن تموت، إذا امتلكت وعيها، تتحوّل إلى عناوين للكرامة.
وحينها فقط، لن نقول: «الله يستر من الأعظم»…
بل سنقول: الحمد لله أن طرابلس صبرت، فانتصرَت.
