في زمنٍ تتشابه فيه الأصوات، وتتشظّى فيه الحقيقة بين العناوين السريعة والمحتوى العابر، تخرج الإعلامية سمر ضو من بين الزحام لا بوصفها اسمًا إضافيًا في المشهد الإعلامي، بل باعتبارها تجربة صحفية متكاملة، أعادت الاعتبار للكلمة، ورفعت منسوب الوعي، وأكدت أن الصحافة ما زالت قادرة على أداء دورها النبيل حين تجد من يحملها بضمير حيّ وعقل واعٍ.
لم تكن سمر ضو ابنة الصدفة، ولا نتاج لحظة إعلامية عابرة، بل ثمرة مسارٍ مهني وفكري تشكّل على مهل، قائم على الإيمان العميق بأن الإعلام ليس مجرد مهنة، بل رسالة معرفية وأخلاقية، وأن الصحفي الحقيقي لا يكتفي بنقل الحدث، بل يسعى لفهمه، وتحليله، وربطه بسياقه الإنساني والاجتماعي والثقافي.
صحافة المعرفة… حين يصبح الفهم أولوية
تميّزت كتابات سمر ضو بقدرتها اللافتة على تحويل القضايا المعقدة إلى معرفة قابلة للفهم دون الإخلال بعمقها. ففي تناولها لموضوعات شائكة مثل الاقتصاد الرقمي، التحولات التكنولوجية، الأجيال الرقمية، والبنية التحتية الخفية للإنترنت العالمي كالكابلات البحرية، لم تقع في فخ التبسيط المُخل، ولا في تعقيد النخبة المنعزل، بل قدّمت نموذجًا متوازنًا يجمع بين الرصانة العلمية والسرد الصحفي الجاذب.
لقد نجحت في نقل القارئ من موقع المتلقي السلبي إلى شريك في الفهم والتحليل، فجعلته يرى ما وراء الشاشات، ويفهم كيف تُدار العوالم الرقمية التي باتت تتحكم في الاقتصاد، والسياسة، والسلوك الاجتماعي، وحتى في تشكيل الوعي الفردي والجمعي.
الإنسان أولًا… جوهر التجربة الصحفية
ما يمنح تجربة سمر ضو فرادتها الحقيقية هو أنها لم تفصل يومًا بين المعرفة والإنسان. فخلف كل موضوع تناولته، كان هناك دائمًا هاجس إنساني واضح: كيف تؤثر هذه التحولات على الفرد؟ على الأجيال الجديدة؟ على الهوية؟ على الانتماء؟
في معالجتها لقضايا جيل Z، لم تنسق خلف الصور النمطية، ولم تنجرّ إلى الأحكام الجاهزة، بل اختارت أن تنصت، وأن تفهم. رأت في هذا الجيل قلقًا مشروعًا، وبحثًا صادقًا عن القبول والانتماء، ومحاولة دائمة لإثبات الذات في عالم رقمي سريع التبدّل. هكذا تحوّلت مقالاتها من مجرد توصيف لجيل، إلى قراءة عميقة في تحولات الإنسان المعاصر.
المهنية قبل كل شيء
على المستوى المهني، جسّدت سمر ضو نموذجًا يُحتذى به في الالتزام بمعايير الصحافة الجادة: الدقة في المعلومة
التحقق من المصادر
النزاهة الفكرية
الابتعاد عن الإثارة المجانية
لم تكن يومًا أسيرة “الترند”، ولم تساوم على الحقيقة من أجل الانتشار، بل آمنت بأن الصحافة طويلة النفس هي وحدها القادرة على بناء الثقة، وترك أثرٍ مستدام في وعي الجمهور.
أسلوب متفرّد… لغة تعرف ماذا تريد
امتلكت سمر ضو لغة صحفية راقية، تعرف متى تكون تحليلية، ومتى تكون سردية، ومتى تترك مساحة للتأمل. لغة لا تستعرض عضلاتها البلاغية، بل توظف جمالها في خدمة الفكرة. لذلك جاءت نصوصها مشبعة بالمعنى، متماسكة البناء، واضحة الهدف، وقادرة على الوصول إلى القارئ دون وساطة.
تكريم مستحق لمسيرة لا لضوء عابر
إن تكريم الإعلامية سمر ضو محمود لم يكن احتفالًا بلحظة، ولا مجرّد تقدير لعملٍ واحد، بل اعترافًا صريحًا بمسيرة اتسمت بالاجتهاد، والوفاء للمهنة، والإيمان العميق بقوة الكلمة. من حبر القلب انطلقت كتاباتها، وإلى ضوء المنصة وصلت، محمّلة بقيم الصدق، والمسؤولية، واحترام العقل العام.
لقد أثبتت أن الصحافة حين تُمارس بوعي، تتحول إلى قوة تنوير، وحين تُكتب بصدق، تصبح ذاكرة معرفية، وحين يقودها أصحاب رؤية، تكون جزءًا من صناعة المستقبل لا مجرد شاهد عليه.
سمر ضو… تجربة تُلهم
اليوم، لا تمثل سمر ضو مجرد اسم في المشهد الإعلامي، بل مدرسة في الصحافة الواعية، ونموذجًا للإعلامي الذي يجمع بين العلم والإبداع، بين الجرأة والمسؤولية، وبين الحداثة والأصالة. تجربة تؤكد أن الكلمة الصادقة لا تفقد بريقها، وأن الصحافة الجادة، مهما اشتد ضجيج السطحية، ستبقى قادرة على صنع الأثر، متى وجدت من يؤمن بها ويحملها بضمير.
