عروبة الإخباري –
في قلب لبنان المنهار، حيث انهارت الدولة وتلاشى القانون، وتحولت السياسة إلى سوق مصالح ضيقة، أبدعت الإعلامية، باتريسيا سماحة، لتثبت أن الإعلام لا يمكن أن يكون مجرد شاشة للعرض أو مرآة مزخرفة، بل سلاح مباشر في مواجهة الانهيار والكذب والتزييف، فخلال العام الماضي، أصبح برنامجها «السياسة والناس» على منصة “Transparency” لا تُضاهى في الجرأة والمواجهة، مساحة يصعب أن تجد لها مثيلاً في تاريخ الإعلام اللبناني الحديث.
هذا البرنامج لم يكن مجرد حوارات سياسية أو نقاشات مسلّية. كان جبهة مواجهة حقيقية، حيث تُطرح كل الأسئلة الصعبة بلا أي رتوش، وتُواجه كل الأكاذيب السياسية بلا أي خوف. كل حلقة كانت رصاصة في قلب الأزمة اللبنانية، وكل ردّ يُحلل على الهواء أمام الشعب الذي يعيش الانهيار يوميًا.
حلقات العام الماضي: جرأة غير مسبوقة
الحلقة الأولى: الفراغ الرئاسي والسيادة الوطنية
في أولى حلقاته، استضافت سماحة النائب غياث يزبك للحديث عن الفراغ الرئاسي المستمر وأزمته الدستورية. لم تكتفِ بسؤال عام عن التأجيل، بل طرحت أسئلة حادة وصادمة: “من يتحمّل المسؤولية عن تعطيل انتخاب رئيس للجمهورية؟” “هل تضحون بسيادة الدولة من أجل مصالح حزبية ضيقة؟” “كيف ستعيدون الثقة للشعب الذي فقد الأمل في مؤسساتكم؟”
لم يكن الرد سهلاً. حاول الضيف الالتفاف على الأسئلة، لكن سماحة ضغطت بلا توقف، وحللت كل عبارة، وفضحت التهرب من المسؤولية. الحلقات كانت صادمة لمتابعيها، حيث أظهرت الفرق بين الشعارات المعلنة والواقع السياسي على الأرض.
ردود الفعل الصحفية كانت سريعة: صحف محلية اعتبرت الحلقة “أجرأ مواجهة سياسية على الشاشة منذ سنوات”، فيما تداول المغردون والمستخدمون على فيسبوك ومواقع التواصل الاجتماعي مقتطفات الأسئلة الصادمة، مشيدين بجرأتها.
الحلقة الثانية: السلاح غير الشرعي والسيطرة على الدولة
في مواجهة مباشرة مع العميد أنطوان حلبي، طرحت سماحة موضوع السلاح غير الشرعي وتأثيره على الأمن اللبناني: “كيف يمكن لمؤسسة الأمن أن تتقدم بينما تسود الميليشيات المسلحة خارج القانون؟” “هل السلاح خارج الدولة تهديد أم حماية؟ ولمن؟” “هل فشل الدولة في فرض سلطتها مسؤولية أم تواطؤ؟”
كانت الحلقة حادة بشكل غير مسبوق، ولم تترك الضيف أي فرصة للتهرّب. وضغطت سماحة على كل كلمة، ففضحت تلاعب المسؤولين بالسلطة، والمصالح الضيقة التي تقوض سيادة الدولة.
النتيجة كانت واضحة: المشاهدون شعروا لأول مرة أن الإعلام قادر على محاسبة المسؤولين على الهواء مباشرة، بلا مواربة ولا مجاملة.
الحلقة الثالثة: الانهيار الاقتصادي والهجرة الجماعية
مع نواب مثل جورج عقيص وكميل شمعون، انتقلت سماحة إلى ربط السياسة بالواقع اليومي للمواطنين. طرحت أسئلة صادمة ومباشرة: “كم من شاب لبناني سيغادر البلاد هذا الشهر؟” “هل هناك أي خطة حقيقية لإنقاذ الاقتصاد، أم أن الخطط مجرد شعارات فارغة؟” “لماذا يزداد الفساد في مؤسساتكم بينما المواطن يدفع الثمن؟”
كانت الإجابات محدودة، وأظهرت فشل السياسات المتتالية والعشوائية. حلقات كهذه جعلت المشاهد يشعر بالغضب والصدمة، حيث بدأت الأسئلة تكشف الهوة بين وعود السياسيين والواقع اليومي الصعب للمواطن اللبناني.
ردود الأفعال الصحفية كانت قاسية: وصف بعض المحللين الحلقة بأنها “صفعة لكل من اعتقد أن الإعلام مجرد نافذة ترفيهية أو مروّج شعارات”.
الحلقة الرابعة: مستقبل الدولة اللبنانية
في حلقة استضافت خبراء اقتصاديين وسياسيين، طرحت سماحة أسئلة مصيرية حول مستقبل لبنان: “هل الدولة ستبقى قائمة كما نعرفها؟ أم أنها تنهار أمام أعيننا؟” “ما هو ثمن الصمت الدولي والمحلي تجاه انهيار المؤسسات؟” “هل هناك خطة لإنقاذ ما تبقى من الدولة قبل فوات الأوان؟”
كانت الإجابات فضفاضة ومليئة بالمراوغات، ولكن سماحة فضحت كل التناقضات، وأجبرت الضيوف على مواجهة ضعف المواقف أمام الجمهور مباشرة. الحلقة هذه اعتبرها محللون معلماً إعلامياً في تاريخ لبنان الحديث، حيث وُضعت السلطة تحت اختبار مباشر وشديد.
الحلقة الخامسة: الهجرة وأزمة الشباب
استضافت سماحة مجموعة من الشباب اللبناني المغادرين حديثًا، وسألتهم:“ماذا يجعلكم تهجرون وطنكم؟ الفقر، الفساد، الخوف أم كل شيء معًا؟” “هل هناك أي أمل في أن يعود الوضع إلى ما كان عليه، أم أن الهجرة أصبحت الحل الوحيد؟” “كيف ترون المستقبل لو استمر الانهيار على هذا النحو؟”
كانت هذه الحلقة صادمة لكل من يظن أن الإعلام مجرد نقل أخبار. حولت سماحة المعاناة اليومية للشباب إلى حقيقة حيّة لا يمكن إنكارها، وطرحت الأسئلة على السياسيين أيضًا: “ماذا فعلتم لمنع هذه الموجة من الهجرة؟”.
الإعلام كقوة مواجهة
برنامج «السياسة والناس» أعاد تعريف دور الإعلام السياسي في لبنان: من ناقل للمواقف إلى سلطة مساءلة حقيقية.
من شاهد على الانهيار إلى فاعل يضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار.
من حوار مسلٍّ إلى معركة يومية مع الحقيقة والكذب والفساد.
باتريسيا سماحة حولت الإعلام إلى أداة ضغط ومحاسبة فعلية، وساحة مواجهة مباشرة مع كل المسؤولين الفاشلين. كل حلقة كانت وثيقة حيّة للواقع اللبناني، لكل أزمة، ولكل فشل سياسي، وكل موقف ضعيف أو فاسد.
الحلقات التي قدّمتها سماحة خلال العام الماضي كانت صدمة لكل من اعتقد أن الإعلام اللبناني مجرد شاشة للتجميل أو الترويج. أصبحت مقاطع البرنامج مواد نقاش رئيسية على وسائل التواصل الاجتماعي، ومراجع أساسية لأي تحليل سياسي، وأداة ضغط على المسؤولين.
لم تكن الإثارة غاية، بل وسيلة لكشف الحقيقة كما هي، بلا رتوش، بلا شعارات فارغة، بلا مراوغة.
الإعلام الذي لا يهادن
ما حققته باتريسيا سماحة ليس مجرد عمل إعلامي، بل ثورة في الشاشة اللبنانية. فهي أثبتت أن الإعلام يمكن أن يكون: قوة مقاومة ضد الفساد والتخاذل. سلاح مساءلة لكل مسؤول فشل في أداء واجبه الوطني. منصة مواجهة لكل من يبيع الوطن أو يتنصل من مسؤولياته.
في زمن الانحدار، اختارت الجرأة.
في زمن الخوف، اختارت المواجهة.
في زمن الانحطاط، اختارت الحقيقة.
باتريسيا سماحة أثبتت أن الحقيقة لا تحتاج إلى رتوش، وأن الإعلام الناري وحده قادر على مواجهة الموت السياسي والأخلاقي للبنان. برنامج «السياسة والناس» ليس مجرد برنامج، بل معركة يومية تُسجّل في ذاكرة التاريخ اللبناني كأحد أجرأ الأعمال الإعلامية في مواجهة الفساد، الهدر، والضعف السياسي.
هذا الإعلام لا يهادن، لا يساوم، ولا ينسى. إنه الإعلام الذي يضع الشعب اللبناني فوق كل اعتبار، ويضع الحقيقة فوق كل صوت مزيف أو موقف ضعيف. في كل حلقة، في كل سؤال، وفي كل مواجهة، تثبت باتريسيا سماحة أن الكلمة النارية والرصاصة الإعلامية يمكن أن تغيّر الواقع إذا وُجّهت بلا خوف وبلا أي رتوش.
ردود الفعل المجتمعية كانت استثنائية: الصحافة اعتبرت البرنامج مؤشرًا حقيقيًا على قوة الإعلام الحر، والناس عبروا عن تقديرهم الكبير لمستوى الشجاعة والجرأة، فيما تداولت وسائل التواصل الاجتماعي مقاطع صادمة أسست لمناقشات وطنية واسعة.
