لا تأتي مشاركة سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، في أعمال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بوصفها حضورًا بروتوكوليًا أو رمزيًا. بل تعكس توجّهًا اقتصاديًا وسياسيًا واضحًا يقوم على إعادة تموضع الأردن في قلب النقاشات الاقتصادية العالمية، واستثمار المنصات الدولية الكبرى للترويج لفرصه، وبناء شراكات طويلة الأمد تخدم مسار التنمية.
يُعد منتدى دافوس أحد أهم الفضاءات التي تلتقي فيها السياسة بالاقتصاد. وهو المكان الذي تُصاغ فيه اتجاهات الاستثمار، وتُناقش فيه تحولات سلاسل التوريد، وأولويات التمويل، ومستقبل النمو في ظل عالم يتّسم بعدم اليقين. من هذا المنطلق، فإن مشاركة ولي العهد تحمل دلالات تتجاوز اللقاءات الثنائية، لتلامس جوهر الرؤية الاقتصادية الأردنية في المرحلة المقبلة.
أول هذه الدلالات يتمثل في طبيعة الرسالة التي يحملها الأردن إلى العالم. فالأردن لا يقدّم نفسه كاقتصاد يبحث فقط عن دعم أو تمويل، بل كاقتصاد يمتلك استقرارًا مؤسسيًا، ورؤية إصلاحية واضحة، وقدرة على لعب دور إقليمي فاعل رغم محدودية الموارد. هذه الرسالة باتت أكثر أهمية في ظل إعادة ترتيب أولويات المستثمرين العالميين، الذين أصبحوا يولون اهتمامًا متزايدًا بالاستقرار السياسي، والحوكمة، والقدرة على التكيّف مع الصدمات.
ثانيًا، تعكس لقاءات العمل التي أشار إليها سمو ولي العهد إدراكًا عميقًا لطبيعة التحديات الاقتصادية العالمية. الاقتصاد الدولي اليوم يمر بمرحلة انتقالية. هناك تباطؤ في النمو العالمي، وتشديد في السياسات النقدية، وتراجع في شهية المخاطرة. في مثل هذا السياق، تصبح القدرة على بناء شراكات ذكية، قائمة على المصالح المتبادلة، عاملًا حاسمًا. الأردن هنا يسعى إلى شراكات نوعية، لا تقوم فقط على الاستثمار التقليدي، بل تمتد إلى مجالات التكنولوجيا، والطاقة النظيفة، والخدمات، وسلاسل القيمة الإقليمية.
ثالثًا، تأتي مشاركة ولي العهد في دافوس منسجمة مع مسار رؤية التحديث الاقتصادي. هذه الرؤية، التي تهدف إلى تحقيق نمو مستدام وخلق فرص عمل، تحتاج إلى انفتاح دولي نشط. لا يمكن تحقيق مستهدفات النمو دون جذب استثمارات خارجية نوعية، ودون دمج الاقتصاد الأردني بشكل أعمق في الاقتصاد العالمي. دافوس يوفّر منصة مثالية لشرح هذه الرؤية، وتسويقها، وبناء الثقة حول جدّيتها وقدرتها على التنفيذ.
كما أن وجود ولي العهد، بصفته يمثل جيلًا شابًا يقود التحول، يضيف بعدًا مهمًا للصورة الذهنية عن الأردن. المستثمرون لا ينظرون فقط إلى الأرقام والمؤشرات، بل إلى القيادات، وطبيعة الخطاب، وقدرة الدولة على التجديد. هذا البعد غير الملموس أصبح عنصرًا مؤثرًا في قرارات الاستثمار، خاصة في القطاعات المستقبلية مثل الاقتصاد الرقمي، والابتكار، والتكنولوجيا المالية.
من زاوية أخرى، تسهم هذه المشاركة في تعزيز الحضور الدولي للأردن في وقت تتزايد فيه المنافسة بين الدول على جذب رأس المال. المنطقة تشهد سباقًا محمومًا لتقديم الحوافز، وتحسين بيئة الأعمال، واستقطاب الشركات العالمية. في هذا السياق، لا يكفي أن تكون الفرص موجودة. بل يجب أن تكون مرئية، ومفهومة، ومدعومة بسردية اقتصادية مقنعة. دافوس هو المكان الذي تُبنى فيه هذه السرديات.
اقتصاديًا، يمكن قراءة هذه المشاركة كجزء من استراتيجية أوسع تهدف إلى تنويع مصادر النمو. الأردن يسعى إلى تقليل اعتماده على القطاعات التقليدية، والتوسع في قطاعات ذات قيمة مضافة أعلى. وهذا يتطلب شراكات دولية، ونقل معرفة، واستثمارات طويلة الأجل. اللقاءات التي يجريها ولي العهد مع قادة وصنّاع قرار اقتصاديين تفتح نوافذ مهمة في هذا الاتجاه.
مشاركة سمو ولي العهد في المنتدى الاقتصادي العالمي تمثل حلقة في سلسلة تحركات مدروسة تهدف إلى تعزيز موقع الأردن في الاقتصاد العالمي، وبناء شبكة علاقات اقتصادية تخدم أهداف التنمية، وتدعم الاستقرار، وتفتح آفاقًا جديدة للنمو. التحدي الحقيقي يبقى في ترجمة هذا الحضور الدولي إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع، من خلال استثمارات فعلية، وفرص عمل، وتحسن مستدام في الأداء الاقتصادي.
