بقلم: د. عبير العربي
الحرز في معناه القانوني شيءٌ يُحفظ، يُغلَّف، يُربط جيدًا، ويُودَع كدليل، قطعة قماش، هاتف، رسالة، أو حتى بقايا أثر… يوضع في كيسٍ محكم، يُكتب عليه الاسم، ويُسلَّم للنيابة باعتباره “حرزًا”.
لا يُلمس، لا يُفتح، لأنه صار شاهدًا على ما كان.
لكن ماذا لو تحوّل الإنسان نفسه إلى حرز؟
ماذا لو اختُزلت علاقة كاملة، سنوات من القرب، الضحكة، الدموع، الوعد، في “لفة هدوم” مربوطة بإحكام؟
أن تُعاد الأشياء أمرٌ مفهوم، لكل بداية نهاية، ولكل علاقة باب يُغلق، لكن الطريقة… دائمًا الطريقة هي التي تكشف الحقيقة، حين يُجمع ما تبقّى منك في بيتٍ كنتِ تظنينه بيتك، ويُلفّ بعناية باردة، كأنما يُغلَّف دليل إدانة لا ذكرى حب…
حين تُرسَل ملابسك في يد رجلٍ آخر، لا كلمة، لا مواجهة، لا حتى احترام لسنوات مضت…
هنا لا يكون الأمر مجرد إعادة متعلقات، هنا يتحول الفعل إلى رسالة صامتة تقول:
“هذا كل ما تبقّى منك… وهذا مكانك الآن.”
قمة القسوة ليست في الفراق، بل في طريقة إعلانه، أن يُعامَل تاريخٌ كامل كأنه شبهة يجب التخلص منها، أن تُختصر إنسانة كانت يومًا قلب البيت في كيسٍ مُحكم الإغلاق، هذا الأسلوب لا يدل على قوة، بل على عجز، العاجز فقط هو من يختبئ خلف “حرز” بدل أن يملك شجاعة المواجهة، القوي ينهي الأمور بكلمة واضحة، بنظرة صريحة، بحدٍّ أدنى من الكرامة المتبادلة، أما من يرسل ما تبقّى عبر وسيط، ويُغلق الباب من خلفه دون صوت، فهو لا يُنهي علاقة… بل يهرب منها، المؤلم ليس الهدوم الملفوفة، المؤلم هو الإحساس بأنك كنتِ قابلة للَّفّ… قابلة للاختزال… قابلة لأن تُختصري في أشياء، لكن ثمة حقيقة لم يكن يعرفها وهو يُحكم الرباط جيدًا، أنها، حين وصلها “الحرز”، لم تنكسر، لم ترتجف يدها وهي تفك العقدة، بل شعرت بشيء يشبه الخفة، كأن الكيس المغلق لم يحمل إهانة، بل حمل إعلان نهاية كانت تنتظرها، كرامتها كانت قد سبقت ملابسها إلى الخارج، وقلبها خرج من ذلك البيت قبل أن تخرج أشياؤها، نظرت إلى ما أُعيد إليها، فوجدت نفسها لا تشعر بالخسارة، بل بالتحرر، والأغرب…أن برواز صورتها الذي كان معلقًا هناك، في بيتٍ ظنّته يومًا بيتها، عاد معها داخل الحرز، عاد وكأنه كان غريبًا عن ذلك الجدار، عاد ليصبح ملكها الكامل، في بيتها الآخر…
البيت الذي اختارته لنفسها، لا الذي بقيت فيه تُساوم على كرامتها، علّقت صورتها في مكانها الجديد، لا بوصفها ذكرى علاقة انتهت، بل بوصفها شهادة امرأة عرفت متى ترحل.
في تلك اللحظة أدركت أن الحرز لم يكن اختزالًا لها، بل كان تحريرًا، تحريرًا من علاقة مهينة، من شعورٍ دائم بأنها أقل مما تستحق، من انتظار كلمة لم تأتِ يومًا، من مساحات متكررة من الخيانة والغدر والمزلة والإهانة، متاجرة دائمة بنقاط ضعفها، واقصاء دائم لدورها ووجودها، جنبا إلى تعمد تجاهلها.
هو ظنّ أنه حين لفّ الأشياء، أنهى القصة، لكنه لم يدرك أن القصة كانت قد انتهت داخلها منذ زمن، ربما أرادها رسالة خروج من حياته، لكنها كانت في الحقيقة إعلان خروجها هي من دائرة الإهانة، فالإنسان لا يُصبح حرزًا، والكرامة لا تُلفّ في كيس، والقيمة لا تُسلَّم باليد لغير أهلها، ويبقى الفرق شاسعًا، بين من يُغلق علاقة بأدب، ومن يُغلقها برباطٍ محكم… كأنها جريمة، وبين من يُعاد إليه ما تبقّى منه،
ومن يستعيد نفسه كاملة… لأول مرة.
أمسكت البرواز طويلًا، لم تشعر بالحنين، شعرت بأن الصورة عادت أخيرًا إلى صاحبتها، قامت، ومسحت مكانًا على الجدار في بيتها،
علّقتها هناك، لم تكن صورة لامرأة خرجت من علاقة، بل لامرأة عرفت متى تخرج، في تلك اللحظة فهمت شيئًا بسيطًا:
هو ظنّ أنه حين لفّ الأشياء بإحكام، أنهى القصة.
لكنه لم يكن يعلم أن القصة كانت قد انتهت داخلها منذ زمن، الحرز الذي أرسله لم يكن اختزالًا لها،كان تحريرًا، وبداية جديدة شاهدة على من احبته بصدق، كتب شهادة رحيلها دون عودة
ورغم ذلك لم تكن تندم على حبٍّ قدّمته بصدق،
ولا على قلبٍ أعطى دون حساب، بعض الناس يرسلونك حرزًا…غير مدركين أنك حين تفكّ العقدة، تستعيد نفسك كاملة، علّقت صورتها في مكانها الجديد، لا كذكرى لرجلٍ رحل، بل كبدايةٍ جديدة… شاهدة على أنها حين أحبّت، أحبّت بصدق، وأنها خرجت مرفوعة الرأس، بينما هو كتب بيده شهادة النهاية، شهادة لا تدين قلبها،
بل تكشفه هو. وللمرة الأولى، لم تكن تُعاد إليها أشياؤها… بل كانت تُعاد إليها نفسها.
