كتب سلطان الحطاب –
منذ أثيرت قضية غرينلاند ومؤشرات البحث تتفجر باتجاه المزيد من المعرفة عنها، خاصة وأن الرئيس الأمريكي ترامب وضعها على قائمة بنك أهدافه بعد أن ابتلع فنزويلا كنموذج لما دعا إليه، وما زال يرشح مناطق أخرى أكثر خطورة!.
جاء الرد الملكي الدنماركي على خطوات ترامب الداعية لشراء الجزيرة الأكبر في العالم، حازماً، وقد أثر ذلك على الموقف الأوروبي وملخص الموقف الدنماركي أن غرينلاند ليست فقط أرض جليد، بل شعب وهوية، وصراع وجود، وتمثل نموذجاً عالمياً للشعوب الأصلية وتعكس الصراع بين البيئة… والسياسة وضرورة التمسك بالاستقلال في عالم القوى الكبرى وقسوة الجليد أو الصحراء لا تعني أن تترك الشعوب أوطانها أو أن تبيعها وتتنازل عنها، وقول أحمد شوقي في ذلك حاضر:
وطني لو شغلت بالخلد عنه
نازعتني إليه في الخلد نفسي.
لم يقل أحد من الدنماركيين أو ممن يرون رؤيتهم أن لا دخل للولايات المتحدة في الجزيرة، فقد أعطيت قاعدة بتوفيك الفضائية العالمية (ثول) وهي من أهم القواعد الأمريكية خارج الولايات المتحدة، وتستخدم الإنذار المبكر للصواريخ ومراقبة الفضاء، وتلعب هذه القاعدة، وما زالت، دوراً أساسياً في استراتيجية (الناتو)، التي زاد ترامب الصرف عليها من 2% الى 5%من ميزانية الناتو، وتعتبر واشنطن القاعدة خط دفاع متقدماً، في حين لا تحظى روسيا او الصين بمثل هذه الامتيازات وتكتفي سفنها بالرسو في الموانئ وشواطئ الجزيرة التي ينزل لعاب الدول الكبرى على مواردها النادرة وخاصة اليورانيوم والذهب والنفط ومعادن ضرورية أخرى لصناعة التكنولوجيا المتقدمة التي تريد الولايات المتحدة حرمان الصين منها ، في حين ترى الصين ضرورة الجزيرة التي تعد أكبر جزيرة في العالم، رغم أن عدد سكانها لا يتجاوز 60 ألفا، لأنها تفتح باب تقليل اعتماد الصين على الأسواق الغربية حين تستورد من غرينلاند وخاصة في مرحلة ذوبان الثلوج وفتح الطرق البحرية الجديدة، حيث يسهل استخراج المواد حين يرتفع منسوب البحار عالياً، ولذا أصبحت غرينلاند مؤشرا عالمياً لخطورة التغير المناخي الذي يؤثر على العالم كله وليس المنطقة فقط.
الدنمارك هي صاحبة الولاية في الجزيرة، وقد أعطتها شكلاً متطوراً من الحكم الذاتي واحتفظت بالعلاقات الخارجية والدفاع .
وهي ترى أن تصريحات ترامب الساخرة بالقول “إن غرينلاند ما هي إلاّ عربة تقودها كلاب”، وأن هذا ليس كافياً للدفاع عنها أمام القوى الطامحة، ولذا لا بد من شرائها أو أخذها بأي أسلوب حتى لو غضب الأوروبيون، في حين يرى الأوروبيون غرينلاند خطاً أحمر ويقفون خلف الدنمارك حتى لو غضب ترامب.”
ما زال الصراع قائماً، وما زالت التوترات موجودة ، إذ تعتبر الولايات المتحدة الجزيرة جزءا من أمنها القومي، وترى الصين أنها تريد التجارة مع غرينلاند بحرية وتشجيع الاستثمار والنفوذ غير المباشر، في حين ترى روسيا ضرورة تعزيز وجودها العسكري في القطب الشمالي، إذ إن الجزيرة أقرب إليها من الولايات المتحدة الأمريكية، في حين لا تزال الدنمارك تبدي سياسة مرنة باتخاذ أسلوب موازنة السيادة مع الحكم الذاتي لتضمن استمرار القبول الدولي.
غرينلاند ينظر اليها ترامب كـ”لوحة شطرنج” يريد أن “يكش” الدنمارك منها ليظل التحدي قائماً باستمرار النفوذ الأجنبي.ويقول الدنماركيون:
لم تعد غرينلاند مجرد جزيرة من الجليد، بل نقطة ارتكاز عسكرية وخزان مواد استراتيجية.. وميدان تنافس دولي صامت، وقد عرفت الاستيطان قبل أربعة الآف سنة، إذ سكنها الانويت ثم الفايكنغ ثم الوجود الأوروبي حيث وصل اريك الأحمر من ايسلندا ثم جاء الحكم الدنماركي في القرن 18 وما زال .
