عروبة الإخباري –
اندبندنت عربية –
لم يكن تردد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالتدخل المباشر في إيران ناتجاً من ضعف أو تراجع، بل عن قراءة باردة لمعادلة القوة والكلفة والرمزية في آن واحد. ترمب، الذي يجيد استخدام التهديد كأداة سياسية أكثر من استخدام الحرب كخيار أول، يدرك أن الضربة العسكرية ضد إيران ليست مجرد عمل عسكري تقليدي، بل لحظة تأسيسية قد تعيد رسم موقع الولايات المتحدة كـ”حاكم للنظام الدولي”، أو تكشف حدود قدرتها على فرضه. لذلك، جاء التردد هنا كجزء من الاستراتيجية لا كنقيض لها.
هذا التريث يدل على أن ترمب يرى في إيران ساحة اختبار معقدة، نظاماً متآكلاً داخلياً لكنه لم يسقط بعد، وشارع غاضب لكنه غير ممسوك بالكامل، ودولة عميقة قمعية لكنها مترابطة بما يكفي لإنتاج فوضى إقليمية إذا ضربت بلا حساب. وقد يمنح التدخل العسكري السريع النظام الإيراني فرصة التحول من متهم إلى ضحية، ومن سلطة مأزومة إلى رمز لسيادة وطنية مهددة، وهو ما يتناقض مع هدف ترمب الأساس، أي إسقاط الشرعية لا تثبيتها.

سوسن مهنا
أيضاً، قد يدل هذا التردد على تحول في مفهوم القوة الأميركية كما يراه ترمب. فالقوة، في حسابه، لم تعد تعني الدخول في حرب مفتوحة لإسقاط الأنظمة، بل دفعها إلى الانهيار من الداخل، مع إبقاء خيار الضربة قائماً كظل دائم فوق رأس القيادة. وهو يراهن على أن الخوف من التدخل قد يكون أداة أكثر فاعلية من التدخل نفسه، وأن ترك النظام يواجه احتجاجاته وانقساماته قد يكون أشد قسوة من قصف منشآته.
في العمق، يكشف هذا السلوك أن ترمب لا يريد أن يمنح إيران “شرف المواجهة المباشرة” مع الولايات المتحدة، ولا أن يكتب فصلاً بطولياً في سرديتها الثورية، وأن تردده ليس رحمة بالنظام بل رفضاً لمنحه لحظة تاريخية نظيفة. وهو بذلك يبعث برسالة مزدوجة، للداخل الإيراني بأن التغيير مسؤوليتكم أولاً، وللنظام بأن السقوط، إن حصل، يجب أن يبدو كنتيجة لفشله، لا كنتيجة لضربة أميركية.
عيون لبنان قلقة
في لبنان، يراقب اللبنانيون ما يجري في إيران بعيون قلقة ولكن غير متشابهة. فبينما ينظر جزء من اللبنانيين إلى المشهد الإيراني بوصفه حدثاً بعيداً جغرافياً ولكنه قريب سياسياً من زاوية تأثيره في “حزب الله”، تنظر بيئة الحزب إلى الحدث كمرآة حساسة لمصيرها هي لا كخبر خارجي. هنا لا يتابع الحدث الإيراني كحراك شعبي عادي بل كاختبار صامت لاستقرار المرجعية وحدود الأمان، فيما يجد الكثير من بيئة الحزب نفسه يهمس سراً “ماذا لو سقط النظام الإيراني؟”.
في الوعي الشيعي اللبناني، وخصوصاً داخل البيئة المرتبطة سياسياً أو وجدانياً بمحور الممانعة، لا تفصل إيران عن لبنان، وما يجري في طهران يقرأ بوصفه ارتجاجاً في “المركز” الذي تستند إليه منظومة كاملة من الحماية والهوية والخطاب. ولذلك يسود مزيج معقد من الإنكار العلني، والقلق الداخلي، والمراقبة الحذرة، لا حماسة للثورة، ولا شماتة بالسقوط، بل خوفاً من المجهول الذي قد يتبع أي تغيير جذري هناك. والسؤال المؤجل هو عن كلفة سقوط النظام الإيراني على بيئة “حزب الله”.
في المقابل، داخل البيئة الشيعية نفسها، بدأت تظهر نظرة أقل عقائدية وأكثر واقعية، خصوصاً لدى الأجيال الشابة والمتعبة اقتصادياً، هؤلاء لا يرون في ما يحدث في إيران تهديداً مباشراً بقدر ما يرونه سؤالاً مؤجلاً عن الكلفة: كلفة الارتباط السياسي، وكلفة العزلة، وكلفة الرهان الطويل على محور واحد. هذا الشرخ قد لا يعبر عنه علناً ولكنه حاضر في اللغة اليومية، وفي الابتعاد عن التعليق المباشر، وفي طريقة تجنب النقاش عندما يسألون عن انطباعاتهم عما يحصل هناك.
وينظر في لبنان كدولة ومجتمع متعدد، إلى المشهد الإيراني من زاوية براغماتية، بمعنى ماذا يعني ذلك على سلاح “حزب الله”، وعلى الاستقرار، وعلى التسويات الإقليمية، وعلى فرص الخروج من الانهيار؟ هنا تختفي الأبعاد العقائدية ويظهر منطق النتائج. فإيران بالنسبة إلى كثير من اللبنانيين ليست قضية، بل متغير ثقيل قد يفتح نافذة انفراج أو باب لفوضى. من هنا يتابع اللبنانيون التظاهرات الإيرانية بقلق مضاعف: قلق على مصير الإقليم، وقلق أعمق داخل البيئة الشيعية من لحظة قد تجبرها، للمرة الأولى منذ عقود، على التفكير بذاتها خارج ظل المركز الإيراني.
فكيف تنظر البيئة الشيعية إلى سقوط نظام خامنئي، إن حصل؟
بطبيعة الحال، سقوط النظام الإيراني، إن حصل، لن يكون خبراً عابراً داخل البيئة الشيعية، وبيئة “حزب الله” تحديداً، بل زلزالاً وجودياً، وربما يتداول به داخل الجدران المغلقة أكثر مما يناقش علناً. هذه البيئة التي بني وعيها السياسي والعقائدي منذ أربعة عقود على ثبات المركز في طهران، تعرف في قرارة نفسها أن انهيار ذلك المركز لا يعني فقط خسارة حليف بل انهيار السقف الذي يحمي الجوهر والقيمة قبل أن يحمي السلاح.
وفي الهمس الداخلي، وبحسب بعض من تحدثت إليهم “اندبندنت عربية”، يظهر سؤال لم يكن مسموحاً بطرحه سابقاً: ماذا لو اختفى نظام الولي الفقيه كمرجعية حاكمة لا كمرجع ديني فقط؟ هنا يبدأ القلق الحقيقي.
والحقيقة أن جزءاً واسعاً من البيئة لا يرى نفسه تابعاً لإيران كدولة، بل لمنظومة أمان كاملة، وشرعية دينية، وغطاء سياسي، وتمويل، وسردية انتصار مستمرة. بهذا المعنى فإن سقوط النظام الإيراني سيهدد هذه المنظومة دفعة واحدة، ويحول الحزب من امتداد لمحور “منتصر تاريخياً” إلى قوة معزولة مضطرة لإعادة تعريف نفسها في بيئة لبنانية “عدائية” أصلاً.
ورد الفعل الأول قد لا يكون التمرد ولا الانشقاق، بل الإنكار والتصلب، فالبيئة في لحظات الخطر الوجودي تميل إلى الانكماش حول قيادتها لا إلى مساءلتها. وسيعاد إنتاج خطاب “المؤامرة الكونية”، وسترفع جرعة التعبئة العقائدية إلى الحد الأقصى، لأن أي فراغ في المعنى أخطر من الفراغ في المال أو السلاح. ولكن هذا التصلب سيكون دفاعياً، لا واثقاً، وسيخفي تحته ارتباكاً عميقاً.
يقول الأكاديمي المتخصص في الحركات الإسلامية قاسم قصير، إنه “حتى اللحظة لا أحد يتكلم عن سقوط النظام في إيران، بل كيف ندافع عن إيران وكيف نحمي الجمهورية الإسلامية”. ويتابع أن “من المبكر الحديث عن هذا الموضوع الآن، لأن الكل يدعو ويعمل من أجل حفظ الجمهورية الإيرانية، والكل يبدي استعداد للدفاع عنها. لذا من السابق لأوانه طرح هذا السؤال”.
ويتابع، “نحن بانتظار ماذا سيحصل، لأن الأمور مفتوحة على كل الاحتمالات، ولا أحد يعرف إلى أين ستذهب المنطقة في حال شنت أميركا حرباً على إيران”.
جيل يبدأ السؤال
لكن وفي هذا السياق، يستطيع المراقب أن يستشف من الكتابات والتعليقات الصادرة عن بيئة الحزب القريبة أن الخوف الأكبر داخلها ليس فقدان الدعم المالي فحسب، بل الاطمئنان واليقين. فماذا يعني السلاح إذا لم يعد جزءاً من مشروع “إلهي – تاريخي”؟ وماذا تعني التضحيات إذا لم تعد متصلة بمركز قرار يقدم كمعصوم سياسياً؟ وهنا يظهر الشق الصامت بين جيل تربى على فكرة “نحن رأس الحربة في مشروع الأمة”، وجيل بدأ يسأل سراً: ثم ماذا بعد؟ ومن يحمينا في الداخل، ومن يضمن ألا نترك وحدنا في مواجهة دولة لبنانية أو تسوية إقليمية قاسية؟ وقد يكون هناك أيضاً خوف غير معلن من انقلاب المعادلة داخل الطائفة نفسها، فغياب إيران القوية يعني فتح باب الأسئلة المؤجلة: لماذا هذا الحجم من الخسائر، ولماذا هذه القطيعة مع الداخل اللبناني والعربي، ولمصلحة من؟ هذه أسئلة لا تطرح اليوم، ولكنها كامنة، وسقوط النظام في إيران قد يحررها من الصمت.
يقول الكاتب السياسي علي الأمين، “يتسلل أكثر فأكثر إلى بيئة (حزب الله) أن إيران التي كانت في العقدين الأخيرين مصدر شعور بالقوة والاعتزاز والحضور والنفوذ، وتشكل عنصراً داعماً لهذه البيئة وللحزب نفسه، لم تعد هي مصدر الشعور بالقوة والاعتداد، وإنما تتحول إلى عنصر ضعف، بمعنى أن كل الاستهدافات ضد هذه البيئة لم تكن إيران قادرة على أن تلجمها، حتى عند اغتيال الأمين العام للحزب حسن نصرالله والقيادات التي يفترض أنها محصنة ومنزهة عن حتى عن الموت. كل هذا تغير ويدفع الناس العاديين للشعور بأن إيران تتحول أكثر فأكثر إلى عبء عليهم”.
ويتابع، “هناك نقطة أساسية وجوهرية لا يمكن للمرء أن يغيبها وهي المسألة المالية، إذ تكاد تختصر العلاقة مع إيران في ما توفره، وفي الأقل من ضمن ما يقال من مساعدات تأتي للحزب وما إلى ذلك من أموال، ونحن نعلم أنه في الأقل هناك 80 ألف راتب شهرياً، هذه الرواتب في وعي بيئة الحزب تأتي من إيران، حتى لو لم تكن تأتي من هناك لأن ثمة موارد أخرى، وقد تراجعت أيضاً بطبيعة الحال. ضمن هذه العلاقة النفعية أو المادية، حيث هناك مؤسسات ومتفرغون وعائلات وعشرات الآلاف من العناصر تحظى بدعم إيراني وتمويل. هذا الجانب هو الذي يأخذ كل الاهتمام والتخوف من أن يتوقف، وهذا ما يشكل خطراً وجودياً عليهم وفي تقديرهم.
ويستطرد “فلنتخيل أن دفعة واحدة تتألف من 80 ألف راتب توقفت أو اختفت، عدا عن الأمور الأخرى التي تمول مباشرة من إيران، أو الموارد التي تحظى بها هذه البيئة جراء النفوذ والقوة في الداخل اللبناني، لكن في الأقل هناك ما بين 500 أو 600 ألف مواطن فقدوا عملهم ومصدر رزقهم. من هنا فإن القضية الأساس اليوم، التي تشغل بال وعقول تلك البيئة وهي الجانب المالي، الذين لا يستفيدون أو غير المنتمين للحزب ولا يتلقون أموالاً من إيران بدأوا يلمسون هذه الأزمة. ففي السابق، وعلى رغم غياب الدعم المباشر، كانت هناك مكاسب تبرر الكلفة، أما اليوم فلا مكاسب ولا تعويض، بل خسائر صافية، مما يرسخ لدى هذه الفئة شعوراً متنامياً بأن إيران لم تعد عنصر قوة بل باتت عبئاً سياسياً واقتصادياً وأمنياً”.
في المحصلة، لا يختزل ما يجري في إيران بحدث داخلي عابر، ولا يملك لبنان، ولا البيئة الشيعية تحديداً، ترف النظر إليه من موقع المتفرج المحايد. فاهتزاز إيران، سواء انتهى بتغيير جذري أو بإعادة إنتاج النظام، سيترك أثره العميق على التوازنات النفسية والسياسية في لبنان قبل أن يطاول المعادلات العسكرية. والمسألة لم تعد مرتبطة فقط بمصير حليف إقليمي، بل بسؤال أوسع: ماذا يحدث عندما يهتز المركز الذي بنيت عليه خيارات كاملة ولعقود؟
ويقف لبنان أمام مفترق طرق غير معلن، فإذا صمد النظام الإيراني، سيخرج أكثر تشدداً وأقل قابلية للمناورة، مما يعني تشديد القبضة على هوامشه، ومنها لبنان. أما إذا تغير أو ضعف فسيفتح فراغاً استراتيجياً يجبر البيئة الشيعية على إعادة تعريف علاقتها بذاتها، وبالدولة اللبنانية، وبالعالم العربي، وبعيداً من المسلمات القديمة، وفي الحالين، لا عودة إلى ما كان.هذه اللحظة تكشف عن أن القلق الحقيقي ليس في سقوط نظام أو بقائه، بل في انتهاء زمن القناعات، وزمن كانت فيه الإجابات جاهزة، والخيارات محددة، والمستقبل يدار من خارج الحدود. ما بعد إيران، أياً يكن شكله، سيكون مرحلة أسئلة مفتوحة، ولبنان، وبكل هشاشته، سيكون أحد أول الأماكن التي تشعر بثقل تلك الأسئلة وبضرورة الإجابة عنها من الداخل هذه المرة.
