الكتابة ريم عبد قمري، ليست عند حرفة، ولا انتماءً إلى مشهد، ولا محاولة لتزيين الواقع.
الكتابة عندها قرار وجودي: إمّا أن تُقال الأشياء حتى نهايتها، أو لا تُقال أبدًا.
ريم لا تكتب من داخل الطمأنينة، بل من حافتها. ومن يكتب من الحافة لا يبحث عن التوازن، بل عن الحقيقة، حتى لو جاءت مشوّهة، قاسية، أو غير قابلة للاستهلاك.
في نصوصها، الذات ليست مركزًا نرجسيًا، بل سؤالًا مفتوحًا.
لا تقدّم نفسها كهوية مكتملة، بل ككائن يتفكّك ليُعاد تركيبه عبر اللغة.
وهنا تكمن خطورتها: أنها لا تحتمي بالثبات، ولا تتخفّى وراء المفاهيم الجاهزة.
ريم قمري تكتب وكأنها تشكّ في كل شيء: في اللغة، في المعنى، في اليقين،
حتى في الكتابة نفسها. وهذا الشك ليس ضعفًا، بل أعلى درجات الوعي. فالكاتبة التي لا تشكّ، تحوّل النصّ إلى شعار.
في عالمٍ يطلب من المرأة الكاتبة أن تكون “مفهومة”، اختارت ريم أن تكون صادقة.
والصدق، في الأدب، فعل عنف ناعم. إنه هدم بطيء لكل ما اعتدناه، ولكل ما يُنتظر منا أن نكونه.
ريم لا تكتب لتقول “أنا هنا”، بل لتسأل: لماذا نحن هنا أصلًا؟ ولماذا نواصل العيش داخل لغات لا تشبهنا؟ ولماذا نخاف من هشاشتنا
وكأنها ليست مصدر قوتنا الوحيدة؟ مشروعها الكتابي لا يسعى إلى الخلود، بل إلى المواجهة. مواجهة الذات بذاتها، والنصّ بحدوده، والقارئ بمسؤوليته.
فالقارئ عند ريم ليس متلقيًا، بل شريكًا في القلق.
في عيد ميلادها، لا نحتفل بالزمن، بل بالاختيار المتكرر: اختيار أن تكتب رغم اللاجدوى، أن تُفكّر رغم الضباب، وأن تظلّ وفية لذلك الصوت الداخلي
الذي يرفض التواطؤ مع السهل والمألوف.
ريم عبد الجليل قمري كاتبة لا تطلب النجاة، بل الفهم. ولا تبحث عن الإجابات، بل عن الأسئلة التي تستحق أن تُعاش.
كل عام وهي أكثر توغّلًا في المعنى، أكثر جرأة في الشك، وأكثر قسوة على الزيف، وأقرب إلى تلك الحقيقة الوحيدة: أن الكتابة، حين تكون حقيقية، هي أخطر أشكال الحرية.
