عروبة الإخباري –
لطالما كانت العلاقة الأردنية اللبنانية نموذجًا فريدًا في التضامن العربي، علاقة تتجاوز المصالح الآنية، ولا تخضع لأي شروط أو مقايضات، فالأردن، قيادةً وشعبًا، لم ينظر يومًا إلى لبنان كساحة نفوذ أو محطة لتحقيق مكاسب سياسية، بل كدولة شقيقة تستحق الدعم والحماية في أصعب اللحظات. من سنوات عديدة، ثبت أن الأردن كان حاضرًا على الدوام، يبادر بالمدّ والمساعدة، ويقف جنبًا إلى جنب مع الشعب اللبناني ومؤسساته، مهما كانت الظروف الإقليمية المضطربة أو الضغوط السياسية المحيطة.
فقد كان الأردن من أوائل الدول التي مدّت يد العون للبنان بعد الانفجار الكارثي الذي هزّ مرفأ بيروت، في موقف إنساني وسياسي يعكس عمق الأخوّة وصدق التضامن العربي، بعيدًا عن أي حسابات ضيقة أو انتهازية، ولم يقتصر الدعم على تلك اللحظة المفصلية، بل تكرّر في أكثر من مناسبة، بما في ذلك المساندة المستمرة للجيش اللبناني، إدراكًا من الأردن لأهمية هذه المؤسسة الوطنية في حفظ أمن لبنان واستقراره وصون وحدته الداخلية.
وفي هذا الإطار، أكد سمو الأمير الحسين بن عبد الله الثاني، ولي العهد، خلال لقائه رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام في مدينة دافوس، متانة العلاقات التاريخية الراسخة بين الأردن ولبنان، مشددًا على أن هذه العلاقات لم تُبنَ على المصالح العابرة، بل على الثقة والاحترام المتبادل والوفاء الثابت للشعوب العربية لبعضها. كما شدد سموه على دعم الأردن الكامل لجهود لبنان في تعزيز أمنه واستقراره، في رسالة واضحة لا تقبل التأويل ولا تندرج ضمن أي حسابات سياسية ضيقة.
إن الموقف الأردني الثابت تجاه لبنان ليس مجرد تصريح دبلوماسي، بل امتدادٌ لطريق سياسي طويل يسلكه الأردن منذ عقود، ويقوم على مبادئ واضحة: احترام سيادة الدول، دعم مؤسساتها الشرعية، والوقوف إلى جانبها في أوقات الشدة. هذا النهج لم يسمح للأردن بالاستثمار في أزمات لبنان أو تحويل مأساة شعبه إلى ورقة ضغط، على العكس، اختار الأردن أن يكون سندًا ثابتًا، حقيقيًا، وعمليًا، في مواجهة التحديات.
وعلى مدار السنوات، أثبت الأردن أنه من القلائل الذين وقفوا إلى جانب لبنان في أحلك مراحله، دون شروط، ودون مهادنة، ودون ربط الدعم بمواقف سياسية أو تحالفات إقليمية. ففي حين اختار بعض الأطراف العربية والأجنبية التعامل مع الأزمة اللبنانية بمنطق المقايضة أو المصالح الآنية، ظل الأردن ثابتًا، يدعم الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية، ويعزز من أمنها واستقرارها، ويقدم نموذجًا يحتذى به في السياسة العربية الصادقة.
إن أهمية هذا الموقف تتجاوز العلاقة الثنائية، لتؤكد أن استقرار لبنان هو جزء من الأمن العربي المشترك، وأن أي هزّة في لبنان تعني تهديدًا مباشرًا لاستقرار المنطقة. ومن هنا تأتي عقلانية السياسة الأردنية، التي ترفض المغامرة والانجرار خلف الحسابات العابرة، وتؤمن بأن دعم الدول الشقيقة يبدأ من تعزيز مؤسساتها، وحماية شعبها، والحفاظ على سيادتها واستقلال قرارها.
اليوم، يقدّم الأردن نموذجًا نادرًا في السياسة العربية، نموذجًا يثبت أن الالتزام بالمبدأ ممكن، وأن التضامن الحقيقي لا يُقاس بالمنافع الفورية أو بالمواقف الموسمية، بل بالثبات، والوفاء، والقدرة على اتخاذ الموقف الصحيح مهما كانت الضغوط والتحديات. وسيظل الأردن، كما كان دائمًا، إلى جانب لبنان، ليس طمعًا بنفوذ أو مكاسب، بل التزامًا أخلاقيًا وسياسيًا، ورسالة واضحة أن الأخوّة العربية ليست مجرد شعار، بل واجب تاريخي ومسؤولية مشتركة.
