عروبة الإخباري – طلال السكر –
في عالم يركض وراء الصخب والتكرار، تظهر الدكتورة رانيا يحيى كنجمة ساطعة في سماء الفكر والثقافة، رمزًا للمثقف العصري الذي يدمج بين العمق والمعرفة، بين الذكاء والإحساس، بين النقد والخلق، في انسجام قلّ أن نجده في هذا العصر. إنها ليست مجرد أكاديمية، ولا مجرد باحثة، بل حالة حضارية وفكرية متكاملة، تتجاوز حدود التخصص لتلامس الروح قبل العقل.
من لحظة انطلاقتها، أثبتت الدكتورة رانيا أن الفكر النقدي والفن الموسيقي يمكن أن يشكّلا معًا لغة عالمية للحضارة. فهي عازفة فلوت بارعة، لا تصنع الموسيقى كترفيه، بل كجسر يربط بين الإنسان وجوهر الفن، وبين الماضي الثقافي المصري والمعاصرة العالمية. وفي الوقت نفسه، تُعرف بكونها ناقدة فنية نابغة، تعطي للأعمال الفنية صداها الحقيقي، فترى ما وراء الشكل، وتكشف المعنى المخفي في التفاصيل، وكأنها تقول للعالم: الفن هو لغة الحياة، والنقد هو الرحلة لفهم هذه اللغة.
لقد حملت الدكتورة رانيا على عاتقها قيادة الثقافة بمعناها الأسمى. فمن خلال منصبها كعميدة للمعهد العالي للنقد الفني، ومن خلال إدارتها للأكاديمية المصرية للفنون في روما، أثبتت أن القيادة الثقافية لا تقتصر على الإدارة، بل هي رؤية وفعل يغير الواقع ويزرع الفكر في العقول قبل القلوب. في كل محفل دولي شاركت فيه، من لجان تحكيم مهرجانات السينما إلى المنتديات الثقافية، لم تكن مجرد ممثلة عن مصر، بل كانت سفيرة للذوق الرفيع، والمعرفة العميقة، والحوار الحضاري النبيل.
لكن عبقرية الدكتورة رانيا لا تكمن فقط في المناصب التي تقلدتها، بل في مقامها الفكري والإنساني، فهي تعرف أن النقد ليس محاكمة، وأن التعليم ليس مجرد نقل معلومات، بل هو فن فتح العقول وتحرير الرؤى. ولغتها، سواء كانت مكتوبة أو منطوقة، مشبوبة بالشاعرية، دقيقة في الطرح، رشيقة في الأسلوب، تجعل القارئ أو المستمع يشاركها رحلة البحث عن الجمال والمعنى.
الدكتورة رانيا هي مثال للمثقف العصري الذي يوازن بين الأصالة والانفتاح، بين المحلية والكونية، بين العقلانية والعاطفة، ولإنها تثبت أن الثقافة ليست رفاهية، بل ضرورة حضارية، وأن الفن والنقد مسؤوليتان أخلاقيتان قبل أن يكونا مهارتين ذهنيتين. إنها من القلائل الذين يضعون الثقافة في قلب المجتمع، ويجعلونها أداة للإلهام، والحوار، والتغيير.
إن كتابة كلمات الإشادة بهذه الشخصية ليس مبالغة، بل هو اعتراف بجلال الفكر، وعظمة الروح، وسخاء العطاء. فعندما نذكر اسم الدكتورة رانيا يحيى، فإننا لا نتذكر مجرد أكاديمية أو موسيقية، بل نتذكر صوتًا حضاريًا، ورؤية متقدة، ونورًا يضيء الطريق للجيل الجديد.
الدكتورة رانيا يحيى، رمز للثقافة النبيلة، والفكر الحر، والفن الراقي. هي المثال الحي على أن المعرفة يمكن أن تكون مؤثرة، والفن يمكن أن يكون رسالة، والنقد يمكن أن يكون جسرًا بين الإنسان والعالم. وكل من يلتقي بها يشعر أن الثقافة لم تعد مجرد كلام أو كتاب، بل حياة تتنفس في كل فعل وفكرة، وجمال يلامس القلب قبل العقل.
