في السياسة الدولية، تتقدم المصالح على القيم في الخطاب والممارسة، ففي الوقت الذي تبدو فيه القيم الأخلاقية حاضرة بقوة في الخطاب إلا أنها في كثير من الأحيان تكون غائبة في جوهر الممارسة، ويكشف هذا التناقض البنيوي المزمن عن فجوة عميقة بين ما يرفع من شعارات وما يمارس على الأرض، أو ما بين الخطاب الأخلاقي المعلن والسلوك السياسي الفعلي، وهو ما جعل الأخلاق تتحول من مرجعية يفترض أنها ناظمة للسلوك الدولي إلى مجرد أداة سياسية مرنة، تخضع لتوازنات القوة والمصلحة، مما أدى لتشكل أزمة أخلاقية وقيمية تمس صدقية النظام الدولي وقدرته على ادعاء العدالة.
ازدواجية المعايير تمثل جوهر هذه الأزمة والمدخل الأساسي لفهمها، حيث تطبق القوانين الدولية -التي يفترض أنها تعبير عن توافق إنساني عام- بطريقة انتقائية لتكون صارمة على دول بعينها، بينما يجري تجاوزها أو تعطيلها عندما يتعلق الأمر بحلفاء أقوياء، كما أن الانتهاك ذاته قد يوصف كجريمة حرب في مكان ما، ويعاد تعريفه كحق في الدفاع عن النفس في مكان آخر، هذا الكيل بمكيالين أضعف فكرة العدالة الكونية، وحول النظام الدولي إلى منظومة مرنة أمام القوة، قاسية أمام الضعفاء، وقد أصبح هذا الخلل قاعدة دولية غير معلنة، ما حول القانون من مظلة حماية جماعية إلى أداة ضبط سياسي، تفقد معها فكرة المساواة معناها العملي.
أما خطاب حقوق الإنسان فيعكس هذه الازدواجية بوضوح أكبر، حيث ترفع الدول الكبرى راية الحقوق والحريات في بياناتها الرسمية بوصفها قيما عالمية غير قابلة للتجزئة، لكنها في الواقع توظفها كأداة ضغط سياسي تخضع لاعتبارات القوة والتحالفات ومتطلبات الأمن، وتتجاهلها عندما تصطدم بحساباتها وكذلك حين تتقاطع الحقوق مع المصالح، فيجري عندئذ إعادة تعريفها أو إرجاؤها، وحين تخدم الضغط السياسي، ترفع إلى مستوى الخطاب الأخلاقي العالمي، وقد أدت هذه الانتقائية إلى إفراغ المفهوم الحقوقي من روحه، وعمقت شعور الضحايا بأن معاناتهم تقاس بموقعهم الجغرافي وانتماءاتهم السياسية والدينية والعرقية لا بإنسانيتهم.
الحلقة الأكثر خطورة في هذا المسار، فهو يتمثل في وقوع العدالة الدولية في فخ التسييس، حيث باتت المؤسسات القضائية الدولية تعمل ضمن بيئة سياسية غير متوازنة وفي فضاء مسيطر عليه بتوازنات القوة، تجعل من المحاسبة فعلا مرتبطا بميزان القوة، مما أدى إلى ربط ملاحقة الجناة بمواقعهم السياسية لا بحجم جرائمهم ولتبقى الجرائم الكبرى أحيانا خارج المساءلة بسبب الحماية السياسية، بينما تفتح الملفات بسرعة عندما تتعارض المصالح أو يغيب الغطاء الدولي، وفي حقيقة الأمر أن هذا الواقع رسخ قناعة بأن العدالة الدولية لا تعمل بمعزل عن السياسة، بل تتأثر بها، ما أضعف الثقة بقدرتها على الردع والإنصاف.
الفجوة بين الشعارات والممارسات اتسعت حتى باتت تهدد الاستقرار العالمي، فحين يسمع إنسان محاصر عن الكرامة الإنسانية وهو يعيش القصف والجوع، فمن الطبيعي أن يتولد لديه شعور عميق بالظلم وفقدان الثقة، الأمر الذي سينتج عنه معاناة أخلاقية ويولد توترات طويلة الأمد، ويغذي نزعات الغضب والتطرف، ويعيد إنتاج الصراعات بصيغ أكثر عنفا.
في المحصلة، تقف السياسة الدولية اليوم أمام مفترق حاسم واختبار أخلاقي حقيقي، فإما أن يعاد دمج القيم الأخلاقية في صلب القرار السياسي، بوصفها التزاما قيميا وأخلاقيا فعليا لا أداة خطابية، أو أن يستمر العالم في إدارة أزماته بمنطق القوة، مع ما يتبع ذلك من كلف إنسانية تتراكم وتخرج عن السيطرة، خاصة وأن المعركة هنا ليست بين طروحات مثالية وأخرى واقعية، بل بين نظام دولي قابل للحياة ونظام يفقد شرعيته تدريجيا، لأن السياسة التي تنفصل عن الأخلاق تفقد إنسانيتها، وتفقد معها قدرتها على صنع سلام عادل ومستدام ومستقبل واعد للبشرية.
