عروبة الإخباري –
لا يمكن مقاربة ترشّح الإعلامية والأكاديمية الدكتورة عُلا القنطار للانتخابات النيابية في قضاء عاليه من زاوية الحدث الانتخابي التقليدي فحسب، بل من موقع أوسع يضع هذا الترشيح في سياقه السياسي والاجتماعي، وفي لحظة وطنية دقيقة تبحث فيها الحياة العامة عن نماذج جديدة تعيد وصل ما انقطع بين السياسة والمجتمع.
في أنظمة مأزومة كالحالة اللبنانية، لا تُقاس أهمية الترشيحات فقط بميزان الاصطفافات أو الأرقام الانتخابية، بل بقدرتها على طرح أسئلة مختلفة حول معنى التمثيل النيابي، ودور النائب، وحدود العلاقة بين المعرفة والسلطة. من هنا، يكتسب ترشّح القنطار بعده النوعي، بوصفه محاولة جدّية لكسر نمطية سائدة، لا سيّما في الدوائر التي اعتادت إعادة إنتاج الوجوه والخطابات نفسها، بمعزل عن نتائجها الفعلية على حياة المواطنين.
القنطار التي تنطلق من خلفية أكاديمية متينة، وهو عنصر نادر نسبيًا في المشهد السياسي اللبناني، حيث غالبًا ما جرى التعامل مع المعرفة بوصفها ترفًا أو زينة خطابية، لا أداة فعل سياسي. غير أنّ مسارها يُظهر وعيًا واضحًا بأهمية التحليل البنيوي للأزمات، وبأنّ السياسة ليست إدارة آنية للأزمات فحسب، بل اشتباك طويل النفس مع جذورها الاقتصادية والاجتماعية والمؤسساتية، ومع أسئلة الدولة والحوكمة والعدالة الاجتماعية.
أما تجربتها الإعلامية، فهي لا تُقرأ كمرحلة مهنية منفصلة، بل كجزء من تكوين سياسي قائم على الفضاء العام. فقد مارست الإعلام بوصفه سلطة رقابية ومنبرًا للمساءلة، ومساحة لتمثيل الصوت الاجتماعي في مواجهة الانهيارات المتتالية، هذا الدور منحها خبرة معمّقة في قراءة الرأي العام، وفهم ديناميات الخطاب السياسي، والتعامل مع التناقضات المجتمعية بحسّ نقدي، من دون الوقوع في فخّ الشعبوية أو الاستقطاب الحاد.
غير أنّ ما يمنح هذا الترشيح ثقله الحقيقي، هو أنّه لا يقوم على سردية نخبويّة معزولة عن الواقع المحلي. فحضور القنطار في قضاء عاليه لم يكن موسميًا أو انتخابيًا، بل تراكميًا، من خلال انخراط فعلي في العمل الاجتماعي والتربوي والإنمائي. هذا الحضور الميداني يضعها في موقع مختلف عن كثير من المرشحين الذين يتعاملون مع القرى والبلدات كمحطات انتخابية، لا كمساحات شراكة دائمة.
وفي قضاء يتميّز بتنوّعه الاجتماعي والسياسي، وبتوازناته الحسّاسة، تبرز أهمية خطاب قادر على الجمع لا على الاستقطاب. وهنا، تبدو القنطار أقرب إلى نموذج المرشّح الذي يسعى إلى إنتاج خطاب جامع، عابر للهويات الضيقة، قائم على المصالح العامة لا على الزبائنية السياسية. هذا الطرح، وإن بدا صعبًا في نظام محكوم بالتجاذبات والانقسامات، إلا أنّه يشكّل محاولة جدّية لإعادة الاعتبار لفكرة السياسة كمساحة تعاقد اجتماعي، لا كساحة صراع دائم.
ولا يمكن إغفال البعد الجندري في هذا الترشيح، ليس بوصفه عنوانًا شعاراتيًا، بل كمدخل لإعادة النظر في تمثيل المرأة في الحياة السياسية. فالدعم الذي تحظى به القنطار من مجموعات نسائية ناشطة يعكس تحوّلًا في مقاربة الدور النسائي، من موقع الرمزية إلى موقع الفعل والتأثير. ترشّحها لا يطرح المرأة كاستثناء، بل كفاعل سياسي كامل الأهلية، قادر على تمثيل قضايا المجتمع بأسره، لا قضايا النساء فقط.
وفي هذا السياق، يكتسب إعلان رئيسة جمعية Youth Smile دعمها الكامل لترشّح الدكتورة عُلا القنطار دلالة سياسية إضافية، إذ اعتبرت أنّ هذا الترشيح يشكّل إضافة نوعية للحياة السياسية، وفرصة حقيقية لإعادة الاعتبار للعمل العام القائم على الكفاءة والالتزام بقضايا الناس، لا على منطق الاصطفافات الضيقة.
وقد جاء هذا الموقف على هامش لقاء جامع عقدته القنطار مع سيدات من المجتمع المحلي في قضاء عاليه، حيث عرضت رؤيتها السياسية وناقشت أبرز محاور بيانها الانتخابي، مؤكدةً أولوية الملفات الاجتماعية والاقتصادية والإنمائية، وضرورة بناء شراكة حقيقية مع المجتمع المحلي، ولا سيّما النساء، في صياغة القرار العام.
في المحصّلة، لا يقدّم ترشّح د. عُلا القنطار، نفسه كحالة فردية أو استثنائية معزولة، بل كمؤشّر على تحوّل ضروري في المزاج السياسي العام، وهو اختبار لإمكانية انتقال الكفاءة من الهامش إلى المركز، ولقدرة الخطاب العقلاني على اختراق بنية سياسية اعتادت إعادة إنتاج ذاتها. وفي قضاء عاليه، حيث تختلط الخصوصية المحلية بالبعد الوطني، يبدو هذا الترشيح محاولة جدّية لإعادة طرح السؤال الجوهري: أيّ سياسة نريد، وأيّ ممثلين نختار؟
