عروبة الإخباري –
حين يضيق الكلام عن حمل المعنى، تتقدّم الشاعرة رانيا مرعي لتعيد للكلمة دفئها الأول، هي شاعرة الحب، ليس لأن الحب موضوعها فحسب، بل لأنه طريقتها في الرؤية، وفي الكتابة، وفي ملامسة الإنسان. في نصوصها، لا يُقال الحب كعاطفة عابرة، بل كقيمة، كنجاة، كمساحة أمان في عالم يزداد قسوة. تكتب بهدوء عميق وصدق لا يتجمّل، فتحوّل القصيدة إلى فعل احتواء، والكلمة إلى وعد إنساني لا يخون.
بهذا الحضور الوجداني والفكري، حلّت رانيا مرعي ضيفة على برنامج «صوت الحرية»، في حوار ثقافي حمل الكثير من الأسئلة والهموم التربوية واللغوية، مستندًا إلى خبرة تعليمية تمتد لأكثر من عشرين عامًا، ومسيرة أدبية أثمرت خمسة إصدارات، جعلت منها صوتًا مثقفًا ملتزمًا بقضايا اللغة والهوية والإنسان.
اللغة العربية… هوية لا مادة دراسية
أكدت مرعي أن اللغة العربية ليست في خطر بذاتها، بل الخطر يكمن في طريقة التعامل معها. فهي هوية وانتماء وذاكرة جماعية، لا مجرد مادة دراسية تُختزل بالامتحانات. والانفتاح على اللغات الأجنبية ضرورة عصرية، لكنه لا يجب أن يأتي على حساب اللغة الأم، لأن إتقان اللغات دون امتلاك العربية يخلق غربة داخلية لدى الطفل، مهما بدا متفوقًا.
وانتقدت ظاهرة تفاخر بعض الأهالي بإتقان أبنائهم للغات الأجنبية مقابل تهميش العربية، معتبرة أن الطفل الذي لا يتقن لغته الأولى يفقد قدرته على التعبير العميق عن ذاته ومشاعره.
التعليم بين النمطية وروح العصر
وتوقفت عند التحديات التربوية الراهنة، مشيرة إلى أن المناهج والأساليب التقليدية لم تعد تشبه تفكير الجيل الجديد ولا سرعة تفاعله مع العالم الرقمي. ودعت إلى تقديم اللغة العربية بأسلوب أكثر حيوية، قائم على النقاش وربط النصوص بحياة الطالب اليومية، وتحويل الحصة الصفية إلى مساحة حوار لا تلقين.
وأكدت أن دور الأستاذ اليوم يتطلّب مواكبة العصر والدخول إلى عالم الطلاب، من دون التفريط بقيمة اللغة ومكانتها، لأن المشكلة ليست في العربية، بل في الطريقة التي نقرّبها بها إلى أبنائنا.
الموهبة… ضحية العلامة
وسلّطت مرعي الضوء على إهمال المواهب الأدبية والفنية في المدارس، حيث يُختزل تقييم الطالب غالبًا بالمعدل والعلامة، فيما تُهمَّش قدراته الإبداعية. وأكدت أن لبنان ما زال غنيًا بالأقلام الشابة المبدعة، لكن هذه المواهب تحتاج إلى دعم مؤسساتي حقيقي لا يزال غائبًا.
القراءة والبيت الأول
كما تحدثت عن دور العائلة في بناء علاقة الطفل مع الكتاب، معتبرة أن اختفاء عادة القراءة وقصة ما قبل النوم لصالح الشاشات أفقد الطفل دفئًا ثقافيًا وإنسانيًا لا يُعوّض. فالكتاب، بنظرها، ليس ترفًا، بل حاجة أساسية تشبه الماء والهواء، لأنه يحمل المعرفة والقيم معًا.
الملكية الفكرية والإعلام
ولم تغفل الإشارة إلى ضعف حماية الملكية الفكرية، خاصة في ظل انتشار سرقة النصوص عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إضافة إلى انتقاد واقع الإعلام الذي يفتقر إلى البرامج الثقافية الهادفة، ويغرق في الصراخ وإثارة الانقسام بدل ترسيخ ثقافة الحوار الواعي.
الكلمة مسؤولية
وتخللت الحلقة قراءات شعرية وطنية وإنسانية عبّرت عن حب لبنان، والإيمان بالكلمة كفعل بناء ومقاومة. فبالنسبة إلى رانيا مرعي، الكتابة ليست وسيلة ربح، بل أمانة ورسالة، والكلمة الصادقة قادرة على أن تترك أثرها مهما بدا الواقع قاسيًا.
واختُتم اللقاء بالتأكيد على أن حماية اللغة العربية هي حماية للهوية والإنسان، وأن المستقبل لا يُبنى بالتكنولوجيا وحدها، بل بالكلمة الواعية، وبالوعي الذي نزرعه في الأجيال القادمة.
