عروبة الإخباري كتبت نزهة عزيزي من باريس
كان يعرف أنه أحبّها… لا دفعةً واحدة، بل كما تنمو نغمة في صدر عازفٍ خجول، تبدأ همسًا ثم تتسع. كانت تشبه اللحن الذي ظلّ يتردّد في داخله دون أن يجد شجاعة العزف. يقف أمام الباب، يده على المقبض… والإيقاع يتعثّر عند أول خطوة.
وكانت تعرف أنه يسمعها.
تعرف أن صوته الداخلي يرتجف كلما اقترب منها، وأن خوفه يقطع الجملة الموسيقية قبل أن تكتمل. كانت تسمع تردّده كما يسمع الموسيقي خطأه قبل أن يقع.
كان يشعر أنها تفهمه بلا شرح، كأنها تلتقط نبرة روحه قبل أن ينطق.
وكانت تلتقطها فعلًا، تعرف أين يعلو صوته، وأين ينخفض، وأين يختبئ الطفل الذي لم يُسمح له أن يعزف لحنه الخاص.
كان يظن أنه معها يستطيع أن يغيّر مقام حياته، أن ينتقل من الرتابة إلى الحرية.
وكانت ترى أنه سيبقى في المقام نفسه، يعيد الجملة ذاتها، يخاف من الانتقال، يخاف من القفزة، يخاف من النشاز.
كان يهرب إليها من زواجٍ بلا موسيقى، ومن أمٍّ ضبطت إيقاعه منذ الطفولة.
وكانت تعرف أن تلك الأم هي المايسترو الحقيقي، وأنه مهما حاول… سيعود إلى الإيقاع القديم.
كان يريد أن يقول لها: ابقي… لأجلي.
وكانت تسمع الجملة تتردّد في صدره، تتكسّر قبل أن تخرج، كأن الهواء نفسه يخونه.
كان يعترف في داخله: أحببتها… لكنني لم أملك الشجاعة لأعزف معها.
وكانت تعترف في داخلها: أحببته… لكنني لم أملك الوهم لأنتظر لحنًا لن يبدأ.
وفي حلمه الأخير، مدّ يده نحوها كأنه أخيرًا قرّر أن يغيّر النغمة.
وفي اللحظة نفسها، شعرت هي أن الحلم سينتهي قبل أن تكتمل الجملة الموسيقية.
وفجأة، انطفأت صورتها، وتلاشى عطرها، وسقط الإيقاع من بين أصابعه.
وكانت تعرف أن الواقع سيعيده إلى الصمت.
ثم جاء الصوت الهادئ يربّت على كتفه، صوت خارج اللحن تمامًا:
“حبيبي… ابنك ينتظرك. لازم توصّله للجامعة.”
فتح عينيه.
كانت زوجته تبتسم بطمأنينة امرأة لا تسمع الموسيقى التي تعزف في داخله.
وكانت هي، في مكانٍ بعيد داخل رأسه، تعود إلى مقعدها القديم: لحنٌ ناقص، امرأة تعيش في المسافة بين قلبه وجرأته.
وقف من السرير وهو يهمس لنفسه:
ربما… لم أتعلم العزف يومًا.
وفي داخله، كان صدى صوتها ينسحب ببطء، كآخر نغمة في أغنية لم تكتمل:
كنتُ أعرف… أنك ستستيقظ دوني، فالحب لا يليق إلا بالأقوياء
