مما لم يقوَ عليه دهاقنة عمالقة البرمجيات والخوارزميات هي الحقيقة، ذلك أن الحق سبحانه تعهّدها. الحقيقة غلّابة وإن طال غيابها، و»الحقّ أولى أن يُتّبع».
تكشف تلك الخوارزميات محرّكات البحث عن أي مؤلف وأي كتاب أو موضوع، تكشف الخيوط الخفية الرابطة بين الطابع والناشر، المؤلف والجهة أو الجهات التي عهدت إليه بتنفيذ حملة أو جانب منها لغايات أبعد ما تكون عن المهنية أو الأكاديمية.
قبل أيام فرغت من قراءة كتاب بدافع الفضول لا المعرفة، الفضول في كشف تلك الجهات، فالحملة معروفة كما الكتاب، من عنوانه. خسئ الطابع والناشر ومن قبلهما المؤلف ومن دفعوا بقلمه المسموم إلى التأليف، خسئوا أن اذكر اسم المؤلف أو عنوان الكتاب أو حتى موضوعه. لن أرضى لنفسي ولن أرتضي لهذا المنبر الوطني أولا والمهني ثانيا، أن أساهم في «نقل الكفر» فليست صحيحة أبدا ولن تكون، مقولة فرقة المعتزلة «ناقل الكفر ليس بكافر»، فالقياس لا يجوز هنا، لأن نشر الإشاعات والتحريف والتدليس والتضليل والتحريض، جريمة يحاسب عليها القانون، والأهم خطيئة وليس مجرد خطأ في اجتهاد إن كان في الأمر أمن وكرامة وسمعة من نحب ونبجّل ونخاف عليه كما نخاف على فلذات أكبادنا.
إن كان من عتاب محب فهو على من بأيديهم العنوان أعلاه، ألا وهو «ما قبل الطبع وما بعد النشر». اتضح لي كما في عدد من الكتب التي قرأتها في الوطن والمهجر ورحلات الشتاء والصيف السنوية، اتضح أن تعويذة النصب والاحتيال باسم حريات التعبير هي التغرير بتوريط مجموعة من الأسماء الوازنة المحترمة، توريطهم بسيل من الأُجراء وأحيانا العملاء أو الحاقدين من ذوي السجل الأسود الطافح بالسخام على كل ما هو مطروح في ذلك الكتاب أو لعله «المنشور» متعدد الصفحات، فما بين «الجلدة والجلدة» ليس سوى خط بياني واضح المعالم بمجرد النّقر على ما يتصل بالمؤلف من مؤلفات سابقة، أو الموضوع الذي سُكبت عليه الأحبار وسفكت عليه الأموال وحملات الدعاية والإعلان. اتضح بما لا يدع مجالا للشك، أن «المريب يكاد أن يقول خُذوني»، الغاية ليست التأليف بل التأليب والبلبلة، وكل ذلك في إطار حملات ضغوط معروفة أطرافها وأدواتها ومواسمها وأجنداتها.
لدينا قيادات ومؤسسات مختصة في كل ما يتصل بميادين المطبوعات والنشر، لديها من التاريخ العريق والخبرة ما يكفي لكشف تلك الحملات. فإن كنا لا نملك القدرة أو الحق -افتراضيا- على الوقاية من تلك المؤلفات المشبوهة والمغرضة، أو إمكانية العلاج للآثار المترتبة على تلك الحملات العدائية، فإنه بالإمكان استباق الموقف وقطع الضرر من أساسه واقتلاعه من جذوره، عبر تحذير الخبراء والمحللين وبعضهم من العاملين والآخر من المتقاعدين، بعدم التعامل مع أولئك المشبوهين الذين ثبت زيف ادعائهم المهني، وبطلان مزاعمهم بأنهم دعاة دراسة ملف ما أو «ساحة» معينة، من إقليم يرونه ساحة صراع ونفوذ، لا وحدة في ساحاته إلا للفوضى والخراب.
فكرت مليا بالتواصل مع بعض من تم استطلاعهم خلال عملية «التأليف»، فبينهم أصدقاء أعزاء وزملاء كرام، لكني آثرت طرح القضية العامة فهي الأهم والأولى في هذا المقام. من حقهم -حق من زجت أسماؤهم في ثنايا الكتاب- الاحتجاج لدى «المؤلف» والرد عليه في طبعته الثانية إن كُتبت لها الظهور، ومن حق كل من لديه تفنيد من أشخاص أو شخصيات أو مؤسسات ملاحقة الكاتب والطابع والناشر على تهم التدليس والتضليل والتشويه، هذا فضلا عن استخدام تسميات وتعبيرات مسيئة، والترويج لحفنة من «الأخبار والإحصائيات والدراسات» الكاذبة أو المُختلقة شكلا ومضمونا، من ألفها إلى يائها.
لا ننسى دعوة سمو ولي العهد الأمين، قرة عين سيدنا أبو الحسين قبل أسابيع إلى تقديم وحماية السردية الأردنية. ولا ننسى إشارة المختصين من المؤرخين الأردنيين، وأحد كتاب الدستور الغراء، معالي د. مهند مبيضين، بما تعنيه السردية وما تعنيه الرواية. هذان أمران في غاية الأهمية للرصد والمتابعة والعمل الدؤوب، ما قبل الطبع وما بعد النشر، خاصة باللغات الأجنبية. فكم من الزور والبهتان «الأكاديمي والصحفي» قد ملأ الفضاء السيبراني أو العنكبوتي بما يغثّ ويثير الغثيان..
من الآخر، لا بد من محاسبة المسيء قانونيا فالسكوت بمعنى التجاهل قد يحدث واقعا لا يكشفه إلا الخبراء الأمناء، وأضعف الإيمان مهنيا، والأولى بالرد، هم أولئك الذين تمت مقابلتهم وإخراج إجاباتهم عن السياق. أما أولئك المعروفين لدى الجميع، فالعتب ليس عليهم بل على من منحهم أسماء وألقاب ومنابر، ليصيروا أسماء متداولة متكررة في كل كتاب أو مقابلة يراد فيها استهداف الأردن والأردنيين..
قبل الطبع وبعد النشر* بشار جرار
2
المقالة السابقة
