يكتسب توجيه جلالة الملك عبدالله الثاني بزيادة مخصصات صندوق دعم الطالب الجامعي دلالات متعددة الابعاد تتجاوز الرقم والقرار، لتلامس جوهر الرؤية الوطنية للدولة ودورها تجاه أجيالها القادمة، حيث يمثل التوجيه الملكي برفع مخصصات الصندوق إلى أربعين مليون دينار انحيازا واعيا للعلم، واستثمارا مباشرا في الإنسان بوصفه الركيزة الأكثر استدامة في بناء الدول.
الدلالة العميقة لهذا التوجيه تكمن في قراءته الدقيقة لطبيعة المرحلة، العالم اليوم يعيش سباقا محموما على المعرفة، والاقتصادات الحديثة تعاد هندستها حول الابتكار والمهارات النوعية، وهو ما يجعل الاستثمار في الطلبة خيارا سياديا مرتبطا بالأمن الوطني والقدرة التنافسية، حيث تبدأ قوة الدول من جودة عقول شبابها، ومن قدرتهم على الإنتاج والتفكير النقدي والمشاركة الفاعلة في الاقتصاد والمجتمع.
إضافة إلى ذلك، يعكس التوجيه الملكي فهما عميقا لطبيعة التحديات التي تواجه الأسر الأردنية، فقد بات التعليم العالي عبئا ثقيلا يهدد فرص الالتحاق بالجامعة، ويعيد إنتاج الفوارق الاجتماعية، لهذا يعد التوجيه الملكي المباشر تصويبا للبوصلة نحو العدالة التعليمية، ويؤكد أن تكافؤ الفرص قيمة سياسية وأخلاقية راسخة.
الدعم الملكي للطلبة الجامعيين يحمل رسالة واضحة مفادها أن الدولة تراهن على العقل والمعرفة لتحقيق التطور ومواجهة الأزمات، وأنها ترى في الشباب طاقة قادرة على التحول من عبء اقتصادي إلى محرك للنمو والابتكار، فحين يحصل آلاف الطلبة على فرصة إكمال تعليمهم، فإن المجتمع بكامله يكسب، وتتعزز فرص الانتقال نحو اقتصاد إنتاجي قائم على المهارة والكفاءة.
كما أن تزامن التوجيه الملكي مع إطلاق البرنامج التنفيذي للحكومة للأعوام 2026-2029، يمنحه بعدا استراتيجيا، إذ يربط بين التخطيط الحكومي طويل المدى وبين الاستثمار في رأس المال البشري، فالبرامج والخطط تظل حبرا على ورق إن لم تسندها قاعدة معرفية صلبة، وجامعات قادرة على تخريج كفاءات تواكب التحولات التكنولوجية والاقتصادية المتسارعة.
إن توجيه الملك بزيادة مخصصات “صندوق الطالب” يعيد الاعتبار لدور الدولة الراعية، ويعزز الثقة بين المواطن والمؤسسات، ويؤكد أن القيادة ترى في التعليم خط الدفاع الأول عن الاستقرار الاجتماعي والسياسي، وهو أيضا رسالة للمجتمع الدولي بأن الأردن، رغم محدودية موارده، يضع الإنسان في صدارة أولوياته، ويؤمن بأن الاستثمار في العقول هو الطريق الآمن لعبور المستقبل.
من هنا، تبرز مسؤولية الحكومة والجامعات والقطاع الخاص في تحويل هذا الدعم إلى أثر ملموس، عبر إدارة عادلة وشفافة للصندوق، وربط المنح بمسارات التفوق والالتزام، وتوسيع الشراكات التي تفتح أفقا أوسع أمام الطلبة، فالدعوة اليوم واضحة: احموا هذا الانحياز، ووسعوه، واجعلوا من التعليم مشروعا وطنيا يتشارك الجميع في حمايته، لأن مستقبل الأردن يصاغ في قاعات الدرس قبل أي مكان آخر.
