نضال برقان
تحت عنوان «نحيلٌ يتلبَّسه بدينٌ أعرج»، صدر حديثا للأديب الأردني جلال برجس مجموعةٌ قصصية، عن دار الشروق المصرية، وقد استلهمت هذه المجموعة الهشاشةَ الإنسانية التي اتخذت دور البطولة الحقيقية، والواقعَ الذي ما هو إلا طبقة رقيقة تخفي تحتها كوابيسَ اليقظة في هذه القصص.
ويُعدّ جلال برجس من أبرز الأصوات الأدبية في المشهد الثقافي العربي، إذ تُوِّجت مسيرته الإبداعية بالفوز بالجائزة العالمية للرواية العربية عام 2021 عن روايته «دفاتر الوراق». وتواصلت إنجازاته مؤخرًا بوصول سيرته الروائية «نشيج الدودوك» إلى القائمة القصيرة لجائزة الشيخ زايد للكتاب عام 2023، كما سبق لروايته «سيدات الحواس الخمس» أن وصلت إلى القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية عام 2019. ووصلت مؤخرًا روايته «معزوفة اليوم السابع» إلى القائمة الطويلة لجائزة الشيخ زايد للكتاب، التي ستُعلن نتائجها في شهر نيسان 2026.
ولإلقاء المزيد من الضوء حول تجربة برجس القصصية، والمختبر الإبداعي الذي ولدت فيه المجموعة القصصية الجديدة، كلن لنا معه الحوار الآتي:
عنوان المجموعة لافت وغرائبي: «نحيلٌ يتلبَّسه بدينٌ أعرج». كيف وُلد هذا العنوان، وماذا يمثّل على مستوى الدلالة والرمز؟
– عنوان هذه المجموعة القصصية قادم من إسقاط على ما يعيق الإنسان العربي في هذه المرحلة من مسيرته نحو المستقبل الذي يحلم به؛ إذ إن شخصيات قصص هذه المجموعة مُعرقلة بكثير من العقبات في طرقها اليومية، وبالتالي باتت تحاكم الواقع من منظور يتجاوز السوداوي، نحو الحقيقة التي غالبًا ما تُزَيَّف وتُقنَّع. النحيل في هذه القصص يتلبّسه ثِقَل الحقيقة، وهذه رؤية ملتبسة؛ إذ تبدو في ظواهرها سوداوية، لكن باطنها زاخر بالأمل.
الواقع في قصصك يبدو كطبقة رقيقة تخفي كوابيس اليقظة. هل ترى أن الأدب اليوم معنيٌّ أكثر بكشف ما تحت الواقع لا تمثيله فقط؟
– باتت القشرة التي تغلّف الواقع رقيقةً وهشّة، بل إنها في كثير من الأحيان لا تقوم بدورها المخادع، وهو مداراة حقيقته؛ لذلك بات من الصعب تفريق الخيالي عن الواقعي، بل يمكن القول إن الخيال هو الواقع الحقيقي، وأن ما نراه غرائبيًّا هو الواقعي بعينه. وهذه دلالة عميقة على أزمة الإنسان في هذه الحقبة. الواقع دومًا مستهدف من قبل الأدب، ولا سيما المناطق المعتمة والهشّة والمفضوحة، سواء جاء هذا الاستهداف عبر مسارات ذاتية أم موضوعية؛ إذ إن الأدب حين يفكك الواقع يفضحه عبر أسئلة تقف عند لحظاته الحرجة، أما الإجابات فتأتي نتاجًا للمخرجات المعرفية التي تتشكّل لدى القارئ.
في قصة «مدينة العيون المتلصصة»، يصبح كل سرٍّ مشاعًا إلا سر الروح. هل هذه المدينة مجاز للواقع العربي الراهن؟
– كل قصص هذه المجموعة مجازٌ بحت ورؤية مكثّفة تشير إلى جوانب من واقعنا العربي الراهن. «مدينة العيون المتلصصة» تقترب من إحدى زوايا عالمنا، لكنها زاوية عريضة وتأثيرها قاسٍ؛ فهي لا تذهب إلى راهننا بتلك المباشرة التي تصف ولا تفكك، بل تعيد إنتاج تلك العناصر سعيًا إلى تكوينٍ آخر أكثر إنسانية، في زمنٍ لم يعد للإنسانية فيه سوى اسمها، للأسف الشديد.
«صانع الشواهد» تنقش الموت قبل الأوان. ما الذي يشغلك في ثيمة استباق الفقد والخوف؟
– الموت في هذه القصة معنويٌّ لا بيولوجي، وهو دربٌ لمغايرة فهم الحياة ومقاربة الواقع وتفكيك حركة الإنسان لمساءلتها. للأسف، باتت أشكال الموت في البلاد العربية كثيرة، وهذا يدعو إلى الإحباط من جهة، لكن الإيمان بمتراس الأمل والسعي إلى الحقيقة يظلّ الدرب الأنجح، رغم صعوبته.
«ناي الأكتع» قصة شديدة الشعرية. كيف توازن بين التكثيف الشعري وبناء الحكاية في القصة القصيرة؟
– القصة صنفٌ أدبي يقع بين رؤية الشعر ورؤية الدراما، وهنا يفرض التكثيف نفسه أمام إيقاع الشارع؛ فكما أن هذا الإيقاع سرديٌّ تستوعبه الرواية، فإنه من جانب آخر مكثّف وخاطف، ويقود من يتأمله جيدًا إلى مقاربته بهذا الوعي. حين أمشي في الشارع أرى مشاهد تبدو لي كأنها إيماءات عميقة، وهذا ما استدرجني إلى إعادة إنتاجها قصصيًّا. أما الموازنة بين روحي الشعر والدراما فهي مسألة تعود إلى خبرة الكاتب ومدى فهمه لما يكتب، تجنّبًا لطغيان عنصر على آخر.
شخصياتك غالبًا مأزومة، معزولة، وتصارع عبث العالم. هل هي شخصيات فردية أم نماذج إنسانية عامة؟
– هي نماذج إنسانية تعيش بيننا وبكثرة، ولا يمكن عدّها نماذج فردية؛ إنها عامة، لكن كثيرين لا ينتبهون إليها لأنها معزولة عن الإيقاع اليومي المعتاد، وفي الوقت ذاته مُتَّهَمة بأنها كائنات عصابية. وهذا الاتهام لم يأتِ من فراغ، بل هو نتاج سنوات طويلة من محاولات تهشيم الوعي وطمسه.
الفنتازيا الساخرة تحضر في أكثر من نص. هل هي اختيار جمالي أم ضرورة فرضها الواقع؟
– هي خيار أسلوبي وفني من جهة، ومن جهة أخرى يمكن القول إنها من شروط الواقع الملتبس؛ فأنت لا تستطيع إقناع أحد بجمالية الشتاء وهو يقاسي البرد. هنا يأتي دور الفنتازيا، وهذه النسبة من السخرية التي تقود القارئ إلى تأمّل البقعة التي يقف عليها، فيتساءل.
رغم نجاحك الكبير في الرواية، تعود مجددًا إلى القصة القصيرة. ما الذي تمنحك إياه القصة ولا تمنحك إياه الرواية؟
– هناك مشاهدات ونتائج تأملات وأفكار لا يمكن لها أن تكون رواية، على الأقل في الوقت الحالي؛ فقولها يجب أن يكون مكثفًا وخاطفًا وقابلًا للتأويل. من هنا اخترت هذا العام أن أقترب من القراء بمجموعة قصصية، أما الرواية فهي مشروعي الذي لا يمكنني التوقف عنه.
طرحتَ سؤالًا مهمًّا: هل تراجع فن القصة أمام صعود الرواية؟ كيف تجيب اليوم، بعد هذا الإصدار؟
– تراجع الاهتمام بفن القصة أمام الوهج الكبير الذي يحيط بالرواية، لكن القصة ما زالت تُكتب وتُقرأ، غير أنها لا تُقارب نقديًّا بالمستوى المفترض، ولا يُكترث بها إعلاميًّا، وحتى دور النشر لم تعد تُصدرها بكثرة مقارنةً بالإصدارات الروائية. ومع ذلك، يبقى السؤال: هل سيفنى فن القصة؟ بالطبع لا؛ يمرّ بمرحلة خفوت، لكنه سيعود، فهذه طبيعة الثقافة الإنسانية الخاضعة لسياقاتها المتغيّرة.
كيف تؤثّر تجربتك الروائية على بنية القصة القصيرة لديك، والعكس؟
– تتداخل الأشكال الأدبية في هذه المرحلة؛ فتجد تقنيات القصة في الرواية، وتقنيات الرواية في القصة، لذا فإن التأثير الحاصل في قصصي هو تأثر أسلوبي. أما على مستوى البناء العام، فإن القصة تدفع بالرواية نحو التكثيف، وتدرّب الكاتب على اختيار الكلمة والعبارة المناسبتين، فيبتعد عمّا لا لزوم له في سياق السرد الروائي.
قلتَ إن القصص كُتبت في منطقة بين «رؤية الشعر» و«رؤية الدراما». كيف تتجلّى هذه المنطقة في نصوص المجموعة؟
– تتجلّى عبر اللغة الكاشفة لمكنونات الشخصيات، وعبر دراما الحدث المرتبطة بطبيعة الحال بتلك الشخصيات. لا توجد قصة غير مبنية على حدث، حتى في إطار التجريب وتهشيم العناصر المتعارف عليها. من هنا أؤمن بأن تناول الحدث في القصة يأتي من تعالق رؤيتي الشعر والدراما، ليُحقّق ما يمكن تسميته بالصدمة عند الانتهاء من القراءة، وحين تتحقق الصدمة، يتشكّل السؤال، وهو أحد أهم مقاصد الأدب.
تصف المرحلة الراهنة بأنها «الأشد التباسًا على مرّ العصور». كيف ينعكس هذا الالتباس على السرد العربي؟
– ينسحب التباس المرحلة وصعوبتها على شكل النص السردي ولغته وموضوعاته وأسلوبه، وهذا واضح في كثير من الإصدارات الروائية والقصصية التي باتت تجد لها مكانة لدى القراء العرب. الكتابة انعكاس لدواخل الكاتب، والكاتب يقف في عمق هذه المرحلة الملتبسة، لذلك تنعكس ملامحها على النص.
هذا إصدارك القصصي الثاني بعد «الزلزال». ما الذي تغيّر في جلال برجس القاص بين التجربتين؟
– تطوّر فهمي للغة القصة، واكتسبت أساليب مختلفة عمّا كنت أنتهجه سابقًا، وباتت زاويتي في التقاط ما يمكن أن يُفضي إلى قصة أكثر مرونة في الذهاب إلى عمق اللحظة. كما نزعتُ أكثر من قبل إلى المقاربات الغرائبية والفنتازية والخيالية، للخروج على الواقعين الذاتي والموضوعي.
هل تكتب وأنت واعٍ بصورة «الكاتب الفائز بالبوكر»، أم تحاول نسيان هذه الصفة أثناء الكتابة؟
– لا أنصت أثناء الكتابة إلا لصوتي الداخلي، ولا أكترث إلا بالمنطقة الجوانية التي انطلقت منها في بداياتي. صحيح أن فوزي بجائزة البوكر العربية أسعدني وأضاف إلى رصيدي من القراء، لكنني لم أُصب بلعنة الجوائز التي تعيق الكاتب عن السعي إلى نص قابل للنمو والعيش، وبناء مسارات لقراء جدد، حتى في الأزمنة القادمة. لا أريد نصًّا يعيش مرحلة واحدة؛ أريده نصًّا غير قابل للموت.
ما الذي تعلّمته من تنقّلك بين الشعر، والقصة، والرواية، وذاكرة المكان؟
– ربحتُ مرونة أن أكون حرًّا في أرض الكتابة. فحرية التنقّل بين الأصناف الأدبية تحتاج إلى مرونة تحول دون تعثّر الكاتب، وهذا التنقّل لا يأتي بدافع رغبة ذاتية فقط، بل نتيجة عوامل متداخلة بين ما يكتبه، وما يراه، وما يفهمه. في كل صنف أغراني بالكتابة ربحتُ صوتًا ما، وأسعى إلى موازنة هذه الأصوات في طريقي نحو «النص اللؤلؤة» الذي أعتقد أن كل كاتب يؤمن بالأدب يسعى إليه.
هل يمكن أن نرى بعض قصص «نحيلٌ يتلبَّسه بدينٌ أعرج» في أعمال مسرحية أو بصرية؟
– هذا دور المشتغلين بالدراما، وإن حدث فسأكون سعيدًا به؛ لأن مقاربة السرد بصريًّا أمر في غاية الأهمية. وما تأييدي لهذا المسار إلا لأنني أحلم بأن ينتقل بعض من يتابعون الشاشات يومًا إلى باحة القراءة، خصوصًا أننا نعيش زمنًا رقميًّا بامتياز، زمنًا تراجعت فيه روح الجماعة لصالح فردية لا يمكنها بناء مجتمع.
