أين كنا العام الماضي وأين أصبحنا هذا العام، فمثلما تفعل الشركات والبنوك من جردٍ وتقييمٍ وحسابات في نهاية كل عام، نجلس نحن أيضًا لنحاسب أنفسنا، ونُقيّم ما مضى، ونُخطّط لما هو آتٍ.
في زمن تتسارع فيه الأيام وتتشابه، يصبح التوقف عند “بداية السنة” محاولة واعية لاستعادة السؤال الذي نتجاوزه غالبًا: ماذا نفعل بكل ما مضى؟ وكيف نحمل ما تبقّى معنا إلى القادم؟ فالبداية، هنا، ليست صفحة بيضاء بقدر ما هي مراجعة صادقة لما نختار الاحتفاظ به، وما نقرر أخيرًا أن نتركه خلفنا.
فالبدايات لا تُولد نقية كما نُحب أن نُصدّق، ولا تأتي كصفحات بيضاء بلا أثر. إنها تصل محمّلة ببقايا عامٍ مضى: بفرحٍ لم يكتمل، وبخسارةٍ لم تجد كلماتها بعد. وفي هذه العتبة الدقيقة بين ما كان وما سيكون، نُجري مراجعة صامتة لا يراها أحد: نختار ما يستحق أن يرافقنا إلى الضوء، ونُسلّم الباقي للغياب، أخيرًا، دون ضجيج.
في الثقافة اليابانية، لا يُنظر إلى الزمن بوصفه خطًا مستقيمًا يبدأ وينتهي، بل كدورة متكررة تُعاد فيها البدايات وتُستكمل فيها المسارات. ومن هنا، لا تمثل رأس السنة قطيعة مع الماضي بقدر ما هي استمرار واعٍ له، تُعاد فيه صياغة العلاقة مع الزمن، لا إنكاره.
في عالمٍ تتشابه فيه الاحتفالات وتتشابك فيه الطقوس حتى تفقد معناها، يصبح اختيار ثقافة بعيدة جغرافيًا، عميقة رمزيًا، فعلَ بحثٍ لا فضول. لم يكن التوقف عند رأس السنة اليابانية اختيارًا عابرًا لمناسبة عالمية، بل محاولة لقراءة الزمن كما تراه حضارة مختلفة، لا بوصفه عدّاد أيام، بل كدورة حياة تُنقّى وتُستعاد.
تُغري اليابان الباحث في الثقافة لا بما تُظهره من حداثة مذهلة فحسب، بل بما تُخفيه من وفاء صارم للتقاليد، وقدرة نادرة على التوفيق بين الروح القديمة وإيقاع العصر. ورأس السنة، في هذا السياق، ليست مجرد انتقال من رقم إلى آخر، بل لحظة مكثفة تُختصر فيها فلسفة الحياة، والعلاقة مع الزمن، ومع الذات، ومع المقدّس.
وعلى خلاف ثقافات تختار الضجيج والاحتفال الصاخب إعلانًا للبدايات، تميل اليابان إلى الصمت والترتيب والانضباط الهادئ. وكأن المجتمع بأكمله يتوقف لحظة ليُعيد ضبط إيقاعه الداخلي قبل أن يعود إلى الحركة، في احترامٍ نادر لثقل الزمن ومعناه.
في ثقافة تُقدّس الزمن بوصفه كائنًا حيًا لا رقمًا عابرًا، لا يبدأ العام الجديد بالضجيج أو الصخب، بل بالصمت المنظَّف، والبيت المهيأ، والنية التي تُرتَّب كما تُرتَّب الأشياء.
تعود بدايات الاحتفال برأس السنة في اليابان إلى العصور القديمة، حين كانت البلاد تعتمد التقويم القمري، وهو التقويم الذي يستند إلى الدورة الشهرية للقمر حول الأرض. وبموجب هذا التقويم، لم تكن بداية السنة ثابتة في الأول من يناير، بل كانت تتغيّر من عام إلى آخر وغالبًا ما تحلّ في فصل الشتاء.
غير أن هذا الأمر تغيّر في عام 1873، حين اعتمدت الحكومة اليابانية التقويم الغريغوري (الميلادي) في إطار إصلاحات عصر ميجي، التي هدفت إلى تحديث الدولة اليابانية ومواءمتها مع النظام الدولي الحديث، فأصبح الأول من يناير هو يوم بداية السنة الرسمية في اليابان.
ومن المهم الإشارة إلى أن الكثير من طقوس رأس السنة تأثرت تاريخيًا بالثقافة الصينية، حيث انتقلت مفاهيم تبجيل الإمبراطور، والشعور بالبداية الجديدة، وبعض الطقوس الرمزية من الصين إلى اليابان بين القرنين السادس والسابع، قبل أن تتبلور لاحقًا ضمن الإطار الثقافي الياباني الخاص.
ويعود اختيار الأول من يناير ليكون يوم رأس السنة في اليابان إلى عدة عوامل تاريخية وثقافية؛ إذ يُنظر إليه كبداية فصل جديد في الحياة الطبيعية، ووقت ملائم للتأمل في المستقبل ومراجعة الماضي، كما يُمثّل رمزًا للانتقال المنظم من دورة زمنية إلى أخرى، وتُمنح فيه فرصة لتجديد الآمال والطموحات.
من الناحية الدينية، ففي الشنتو، يُنظر إلى رأس السنة بوصفها وقتًا لاستقبال الأرواح الطيبة والآلهة التي يُعتقد أنها تزور المنازل مع بداية العام الجديد، وهو ما يتطلب الطهارة الجسدية والروحية.
يمتزج الاحتفال برأس السنة في اليابان بين الطقوس الدينية والعادات الاجتماعية التي تُمارس بعناية واهتمام كبيرين.
ولا يُفهم طقس التنظيف الكبير في اليابان بوصفه ترتيبًا ماديًا للمكان فحسب، بل كفعل رمزي أعمق يطال العلاقات والنيات والذاكرة. فتنظيف البيت يوازي، في معناه الثقافي، محاولة لتنقية الداخل، وترك ما أثقل الروح خلف الأبواب المغلقة مع نهاية العام.
وما يميّز رأس السنة في اليابان أن هذه الطقوس لا تُمارَس كقرارات فردية معزولة، بل كفعل جماعي تشارك فيه الأسرة والمجتمع. فالتجديد هنا مسؤولية مشتركة، يتحوّل فيها الفرد إلى جزء من إيقاع جماعي يعيد ترتيب نفسه معًا.
على الرغم من محافظة اليابان على جوهر تقاليدها، إلا أن العصر الحديث أضفى على الاحتفال أبعادًا جديدة، مثل العروض التلفزيونية والموسيقية، والسفر وقضاء العطلات في الفنادق. كما أصبح شراء أطباق أوسيتشي-ريوري الجاهزة أمرًا شائعًا، انسجامًا مع وتيرة الحياة المعاصرة.
رأس السنة في اليابان ليست مجرد بداية لعام جديد، بل مناسبة تتجاوز الحدث الزمني لتغدو احتفاءً بالتقاليد، والتجديد الروحي، والتطلع المتزن للمستقبل. ففي حين يبدو الأول من يناير يومًا عاديًا في كثير من الثقافات، يحمل في اليابان معنى أعمق يعكس احترام الزمن والحياة، والرغبة في البدء من جديد بوعي وصفاء.
وهكذا، لا يحتفل اليابانيون ببداية عام جديد فحسب، بل يحتفلون بقدرتهم المتجددة على البدء من جديد.
