في عالم تتقاطع فيه السياسة مع الشائعات، وتتشابك الحقائق مع الروايات المتضاربة، تظهر أصوات نادرة لتضيء الطريق بالصدق والنزاهة. جينا عفيش، الصحفية اللبنانية التي نشأت بين تقلبات وطنها وأحداثه المفصلية، لم تكتفِ برصد الأخبار، بل جعلت من نقل الحقيقة رسالتها الأسمى.
في حوار حصري لموقع قصص الإمارات، تحدثت جينا مع الصحفية دانيش خان عن رحلتها المهنية، والصعوبات التي واجهتها، والتزامها بالصحافة الأخلاقية في أوقات الأزمات، مؤكدة أن الصحافة ليست مجرد مهنة، بل مسؤولية تجاه المجتمع وواجب تجاه التاريخ، ودرع يحمي الحقيقة من زيف المعلومات.
طفولة متأثرة بالواقع السياسي
نشأت جينا عفيش في بيئة مليئة بالتوترات السياسية والاجتماعية في لبنان. الأخبار كانت حاضرة في كل زاوية، من شاشات التلفزيون إلى أحاديث الناس اليومية. لاحظت منذ الصغر أن نفس الحدث يمكن أن يُقدَّم بشكل مختلف تماماً حسب مصدر الخبر، مما يخلق ارتباكاً ويثير تساؤلات حول الحقيقة.
هذه الملاحظات المبكرة جعلتها تدرك قوة المعلومات وأهمية الصحافة في حماية الواقع من التضليل. حتى في سن صغيرة، فهمت أن التغطية الدقيقة لا توثق الأحداث فحسب، بل تؤثر في المجتمع وتساءل المسؤولين عن السلطة.
الصحافة مسؤولية قبل أن تكون مهنة
إيمان جينا العميق بالحقيقة والمساءلة وخدمة الجمهور كان دافعها لدخول عالم الصحافة. بالنسبة لها، لم تكن المهنة وسيلة للشهرة أو الاعتراف، بل أداة لتوثيق التاريخ ومحاسبة السلطة عند الحاجة.
كانت تؤمن أن الصحفي يجب أن يستمع جيداً، ويقدم التقارير بصدق، ويعطي صوتاً للجميع بعدالة. هذه المبادئ شكلت نهجها في العمل، وأكدت على أن الصحافة الأخلاقية أكثر أهمية في بيئة سياسية مضطربة.

بداية المسيرة المهنية في أجواء عدم الاستقرار
بدأت جينا مسيرتها الإعلامية في لبنان خلال فترة من عدم الاستقرار السياسي. كانت غرف الأخبار تعمل بموارد محدودة، والمخاطر الأمنية شائعة، وكان على الصحفيين الشباب بناء المصداقية بصعوبة.
واجهت ساعات عمل طويلة وضغوطاً كبيرة، لكنها تعاملت مع التحديات بالصبر والحرص على الدقة والمعايير الأخلاقية. هذه الصعوبات عززت صمودها وشكلت هويتها كصحفية تضع المصداقية والمسؤولية فوق كل اعتبار.
تغطية انتفاضة 17 أكتوبر اللبنانية
واحدة من أبرز لحظات مسيرة جينا المهنية كانت تغطيتها للانتفاضة اللبنانية في 17 أكتوبر 2019، التي شهدت خروج آلاف المواطنين إلى الشوارع مطالبين بالإصلاح والمساءلة والكرامة.
كانت جينا في قلب الحدث، تلتقط أصوات الناس العاديين وتروي قصصهم الشخصية، لتسجل التاريخ بموضوعية وتحفظ الحقيقة في لحظة حاسمة من تاريخ لبنان.
العمل خلال الأزمات والصراعات
استمرت جينا في عملها رغم استمرار الأزمات السياسية والصراعات في لبنان. كانت تدرك أن الخوف والمعلومات المضللة يمكن أن تشوه الواقع، لذلك ركزت على التحقق من الحقائق والتوازن والوضوح.
قصصها لم تركز فقط على الأحداث، بل على أثرها على حياة الناس اليومية، مما جعل تغطيتها متوازنة، دقيقة، ومليئة بالتعاطف الإنساني.
التحديات الشخصية والتضحيات
العمل الصحفي في بيئات غير مستقرة يأتي مع ثقل عاطفي وشخصي كبير. واجهت جينا التوتر والإرهاق، لكنها كانت تؤمن أن الصمت يسمح للشائعات بالنمو. كانت التقارير المسؤولة تستحق كل التضحيات، وكل تجربة عززت التزامها بالنزاهة والاستقلالية وخدمة المصلحة العامة.
النزاهة والمصداقية كقيم أساسية
تؤكد جينا أن المصداقية أهم من السرعة في نشر الأخبار. لو تحدثت إلى نفسها الصغيرة، لنصحَت بحماية النزاهة فوق كل شيء، لأن فقدانها يصعب تعويضه.
هذا الالتزام بالمصداقية منحها احترام الجمهور وثقة واسعة، وميزها كصحفية تجمع بين البحث الدقيق واحترام الحقائق والتزام المسؤولية تجاه المجتمع.
الحياة خارج غرفة الأخبار
بعيداً عن التغطية الميدانية، تمثل جينا الصحفية الحديثة التي تستخدم المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي كأدوات للحوار والشفافية. من خلالها تشارك الرؤى، تشارك النقاشات، وتعزز الصحافة الأخلاقية.
رغم ضغوط العمل، تظل متماسكة بقيمها وهدفها، محافظة على توازنها ومستعدة لخدمة الحقيقة أينما كانت الحاجة إليها.
الأثر الذي تأمل تركه وإلهام الآخرين
تهدف جينا عفيش إلى ترك أثر قائم على المصداقية والشجاعة والمسؤولية، لتظل مثالاً للصحفية التي تحمي الحقيقة وتمنح صوتاً للناس في أوقات الأزمات. هدفها ليس الشهرة، بل خدمة المجتمع وتوثيق التاريخ بصدق.
رحلة جينا تلهم الصحفيين الشباب وتؤكد أن الالتزام بالقيم الصحفية، رغم التحديات، يمكن أن يحدث فرقاً حقيقياً.
