زينب السعود / (كاتبة أردنية) –
عرفت المجتمعات العربية الدعابة في جميع أطوارها، وانتشرت في كل مجتمع روح الفكاهة الخاصة به وبلهجته وتقلباته السياسية والفكرية والاجتماعية. والدعابة ليست مجرد مظهر اجتماعي عابر، بل ثقافة أدبية عبرت عنها كثير من المصنفات التي دلت على أن أسلوب السرد القائم على حس الفكاهة وإثارة الضحك ونشر الابتسامة من الأساليب الأدبية التي ظهرت جلية في تاريخ الكتابة العربية.
فالجاحظ وضع كتابه المعروف «البخلاء» الذي قدم فيه ملحا وطرائف من قصص البخلاء لينفر الناس من هذا السلوك الشائن معتمدا على الدعابة الناقدة، وفن المقامات اعتمد في جله على روح الطرفة والفكاهة في عرض قصص المتسولين وأصحاب الكدية، وفي الشعر العربي نجد كثيرا من الأبيات وربما القصائد التي انتهج شعراؤها منهج الدعابة خاصة في شعر الهجاء الذي لا يخلو من عنصر الاستظراف. وقد لا يختلف اثنان في عصرنا الحديث على أن الدعابة والنكتة السريعة اللاذعة لمواقف الحياة اليومية ظاهرة بارزة وواضحة لدى المصريين. فهل لهذه السمة الاجتماعية تأصيل تاريخي أم هي مجرد حالة اجتماعية حديثة مرتبطة بالحالة الاجتماعية أو الاقتصادية أو حالة طارئة من ظروف المجتمع.
في كتابه «المضحكخانة» يقدم الكاتب والباحث المصري محمد غنيمة سياحة في تاريخ مصر الفكاهي، مستندا على عدد من المصادر النادرة والمخطوطات والمراجع التاريخية، والكثير من القصص الواقعية التي تناقش الدعابة لدى المجتمع المصري بوصفها ظاهرة ثقافية تستند إلى تقلبات الحياة الاجتماعية والسياسية. وبدأ الكاتب سرد تاريخ الدعابة في مصر منذ الأجداد القدماء الذين سجلوا فكاهاتهم على أوراق البردي وجدران المعابد حتى إن الرسومات توثق وجود إله قديم للضحك اسمه الإله «بِس» على هيئة قزم يشبه القرد منتفخ العضلات والوجنتين. ويستشهد الكاتب محمد غنيمة بما دونه ابن خلدون رائد علم الاجتماع عن طبائع أهل مصر وانتشار روح البشاشة والفكاهة والنكتة لديهم لدرجة قوله: «أهل مصر كأنهم فرغوا من الحساب».
ويروي محمد غنيمة تاريخ بداية «بيت الضحك» أو «المضحك خانة» على زمن الشيخ حسن الألاتي أشهر الفكاهيين في نهاية القرن التاسع عشر والذي أنشأ قهوة بشارع الخليفة في القاهرة لتكون مقرا لمزاولة فنون الضحك والتندر على أحوال الناس والمجتمع سميت بالمضحكخانة الكبرى، وقد اعتبر فرويد النكتة آلة دفاعية نفسية، أما أرسطو فربط بين الدعابة والشعور بالتفوق على أخطاء الآخرين. وقد ورد في الأثر النبوي: «روحوا القلوب ساعة بعد ساعة فإن القلوب إذا كلّت ملّت».
والضحك وبث روح الدعابة بعيدا عن انتقاص الأشخاص لذاتهم سمة بارزة في التاريخ العربي بل أداة هامة من أدوات النقد للظواهر السائدة كما أنها مرآة عاكسة للواقع السائد والنمط الغالب على حياة المجتمع.
ويظهر امتداح الضحك في كثير من الأقوال الدارجة مثل: «فلان ضحوك السن» و”بسام الثنايا»، بل وأفردوا في كتبهم أبوابا لسرد قصص النوادر والفكاهات وأخبار الحمقى والمجانين. وقد اعتمد محمد غنيمة توثيق فصول الكتاب وتناولاته بعدد كبير من المراجع وهو ما يخدم فكرة الكتاب القائمة على توثيق الظاهرة عربيا ومصريا، فالإمام ابن الجوزي أفرد في كتابه بابا لأخبار الظرّاف والمتماجنين، وابن قتيبة في مصنفه «عيون الأخبار» ركز على فاعلية عدوى الضحك فقال: «الضحك يستدعي الضحك». أما الأبشيهي فجعل في كتابه «المستطرف في كل فن مستظرف» بابا سماه النوادر قسمه إلى فصول، فجعل فصلا لمُلح القضاة وآخر لنوادر النحاة وثالثا للمؤذنين وغيرهم.
ويتناول محمد غنيمة الكاتب السكندري موضوع الفكاهة المصرية قديما وحديثا رابطا لها بواقع المجتمع وبفطنة أهله وفراستهم، فالدعابة في المجتمع المصري ارتبطت غالبا بنظرة ناقدة ومتفحصة لأحوال الناس والحياة، والنكتة المصرية لا تقال جزافا بل لتوجيه النظر إلى واقع يلامس حياة الإنسان. ولعل من أشهر أنواع الدعابة والنكت المصرية النكتة السياسية التي صنفها أحمد أمين في مصر القديمة ومنحها المرتبة الأولى، فقد ذاع هذا النوع فترات الاحتلال الأجنبي أو فترات التعسف حيث استخدمها المصريون كقوة ناعمة تخفف هموم أيامهم وتهاجم عدوهم بسلاح لا يحيطون به، ثم تليها النكتة الاجتماعية التي سخرت من بعض الأوضاع الشعبية الشائعة والخرافات التي تنتشر بين العامة.
وفي عصر الدولة الإخشيدية في مصر لمعت شخصية قادت الشارع المصري آنذاك ضد جور الحكم وهي شخصية سيبويه المصري تيمنا بعالم النحو المعروف، فقد برع في استخدام الحمق والسخرية والتهكم في نقد الدولة الإخشيدية والتنفيس عن واقع الشعب، بل نقول المصادر إن رجالات الدولة يحسبون للسانه اللاذع حسابا.
ويسير بنا محمد غنيمة عبر العصور التي مرت على تاريخ مصر وصولا إلى العصر الحديث مفصلا في موضوع الدعابة التي تعتبر مظهرا اجتماعيا وثقافيا واضحا من مظاهر الحياة المصرية اليومية. ويغوص غنيمة في عمق المراجع والمخطوطات القديمة جامعا لمادته البحثية التي جمعها بين دفتي كتابه «المضحكخانة» الصادر عن دار الرواق للنشر. يمتاز الكتاب بأسلوبه الواضح وبتنظيم أبوابه وباستظهار كثير من المثلة والشواهد من بطون الكتب نثرا كانت أم شعرا.
كتاب «المضحكخانة» وثيقة هامة تجمع بين دفتيها تتبعا لتاريخ الدعابة المصرية ودورها وأثرها وأهميتها في الحياة الاجتماعية. وقد اجتهد محمد غنيمة في إخراج الكتاب بصورة علمية متبعا الأسلوب العلمي المعتبر في التوثيق والإحالة إلى المراجع والمصادر، وهذا مما يحسب للكاتب ويشير إلى نزاهة البحث وأصالة الفكر التي يعرضها في الكتاب. فالدعابة المصرية التي تستلطفها جميع الشعوب المصرية ليست وليدة اليوم، إنما هي مظهر أصيل يتعلق بقدرة المصري قديما وحديثا على التحايل على مصاعب الحياة والتغلب على أزماتها الكثيرة. وقد قيل: «من ليس له صديق مصري فلا صديق له».
إن هذا الكتاب توثيق واضح لفكرة تتلخص في أن الدعابة وروح النكتة درع من دروع النفس البشرية في دفع الهموم والأحزان، بل وسيلة للتعبير عن الرأي المناوئ للسلطة أحيانا، ولهذا تشير كثير من الدراسات إلى أن المجتمعات التي تكثر فيها الانتكاسات السياسية والاجتماعية أو التي تتعرض للحروب والخطوب هي الأكثر تداولا للدعابة اللاذعة التي تعري الحقائق وتصف الواقع، وهذا يدل على أن الدعابة تكون أحيانا قناعا يحمي قائلها أو يجنبه المساءلة ويخوله قول ما يشاء تعبيرا عن موقفه ورأيه خلف غطاء الضحك والاستظراف الموجه، فالنكتة إذن لم تعد ضربا من الهزل الذي لا طائل تحته، بل هي تعبير عن حالة ناقدة وعين منتقدة.
