عروبة الإخباري –
في زمنٍ ازدحمت فيه المنصات وارتفعت فيه الأصوات حتى فقدت معناها، تخرج كتابة الجازي طارق السنافي كحالة استثناء نادرة؛ كتابة لا تحتاج إلى صخب لتُسمَع، ولا إلى استفزاز لتُرى. حضورها الفكري يفرض نفسه بقوة الفكرة لا بحدة النبرة، وبصلابة الموقف لا بتقلب المزاج العام.
ليست الجازي السنافي من أولئك الذين يكتبون لملء الفراغ، بل من الذين يكتبون لملامسة العصب، ووضع الإصبع على جوهر المسألة دون ارتجاف أو مواربة. إنها تمارس الكتابة بوصفها فعل شجاعة عقلية، لا مغامرة لغوية، وتتعامل مع المقال كوثيقة وعي، لا كمنشور عابر في ذاكرة النسيان السريع.
ما يميز كتابتها هو هذا الاشتباك الذكي مع الواقع؛ اشتباك لا يجرح، لكنه لا يهادن، لا يُجامل، لكنه لا يُسيء. فهي تملك قدرة نادرة على تحويل القضايا الاجتماعية إلى أسئلة كبرى، وعلى تفكيك المسكوت عنه بلغة هادئة في ظاهرها، حارقة في عمقها. كلماتها لا تصرخ، لكنها تُربك، لا تهاجم، لكنها تُجبرك على التوقف وإعادة التفكير.
الجازي طارق السنافي لا تمارس النقد كفعل اعتراض، بل كفعل حماية. حماية للقيم من التشويه، وللمجتمع من التجميل الزائف، وللوعي من التخدير. نقدها ليس معول هدم، بل مشرط دقيق، يعرف أين يقطع، ومتى يتوقف، وكيف يُنقذ الفكرة دون أن يُميت الجسد.
وفي مشهد اعتاد أن يُكافئ الانفعال ويُصفّق للسطحية، تأتي كتاباتها لتُذكّر بأن الرصانة قوة، وأن الاتزان شجاعة، وأن الجرأة الحقيقية لا تكون في كسر الخطوط، بل في الوقوف عليها بثبات. فهي لا تكتب لتُرضي، ولا لتُسترضى، بل لتقول ما يجب أن يُقال، في الوقت الذي يجب أن يُقال فيه، بالطريقة التي تحترم عقل القارئ ولا تستغفل وعيه.
حضور الجازي السنافي ليس حضور اسم، بل حضور مدرسة فكرية قائمة على الوضوح، والمسؤولية، والجرأة المنضبطة. مدرسة تؤمن بأن الكاتب ليس شاهدًا محايدًا على الخلل، بل طرفًا أخلاقيًا في تصحيحه، وبأن الصمت أحيانًا خيانة للفكرة، وأن المجاملة قد تكون أخطر من الخطأ نفسه.
إنها تكتب وهي مدركة أن الكلمة موقف، وأن المقال ساحة اختبار للضمير، لذلك لا تجد في نصوصها تراجعًا أو تلوّنًا أو خوفًا من رد الفعل. ما تجده هو عقل حاضر، وبوصلة ثابتة، وإيمان عميق بأن الإصلاح يبدأ من تسمية الأشياء بأسمائها، دون صراخ، ودون تزييف.
في المحصلة، الجازي طارق السنافي ليست مجرد كاتبة رأي، بل قوة فكرية ناعمة، تمارس تأثيرها بهدوء الواثق، وتترك أثرها في العمق لا على السطح. وحين تُقرأ كتاباتها، يدرك القارئ أن بعض الأقلام لا تكتب لتُستهلك، بل لتبقى، وأن بعض الأصوات، مهما خفُتت نبرتها، تظل الأعلى لأن الحقيقة تقف خلفها.
