تمثل القمة الأردنية الأوروبية التي تستضيفها عمان اليوم محطة سياسية واقتصادية بالغة الدلالة في مسار العلاقات بين الأردن والاتحاد الأوروبي، وتأتي في توقيت إقليمي ودولي بالغ التعقيد، ما يمنحها أهمية خاصة باعتبارها خطوة مهمة نحو إعادة تثبيت شراكة تقوم على المصالح المتبادلة والمسؤولية المشتركة.
أهمية القمة تنبع من كونها الأولى بعد توقيع اتفاقية الشراكة الاستراتيجية والشاملة بين الجانبين، الأمر الذي يجعلها منصة لتأكيد الانتقال من مرحلة التفاهمات العامة إلى مسارات تنفيذية واضحة، وهي رسالة سياسية مباشرة بأن الأردن شريك محوري للاتحاد الأوروبي في شرق المتوسط والشرق الأوسط، في ملفات الأمن والاستقرار، والتنمية الاقتصادية، واللجوء، والطاقة، والمياه.
العلاقات الأردنية الأوروبية الممتدة منذ عقود تطورت من تعاون تقني واقتصادي إلى شراكة سياسية عميقة، تقوم على إدراك أوروبي لدور الأردن كدولة تشكل عامل استقرار وتتمتع بسلوك سياسي يتصف بالعقلانية في محيط مضطرب، وعلى قناعة أردنية بأن الاتحاد الأوروبي شريك استراتيجي قادر على دعم أولويات التنمية والإصلاح وتعزيز منعة الاقتصاد الوطني، الأمر الذي انعكس بوضوح في تصنيف الأردن شريكا متقدما، وفي اتساع مجالات التعاون لتشمل الأمن والدفاع والتعليم وحقوق الإنسان والتحول الأخضر.
دلالات القمة تتصل أيضا بسياق دولي يشهد إعادة تشكيل التحالفات، وتزايد الحاجة الأوروبية إلى شركاء موثوقين في الجوار الجنوبي، كما يؤكد حضور قادة الاتحاد الأوروبي إلى عمان أن الأردن حاضر في حسابات الأمن الأوروبي، سواء عبر دوره في مكافحة التطرف وتهريب المخدرات، أو عبر استضافته لملايين اللاجئين، وما يمثله ذلك من خدمة للاستقرار الإقليمي والدولي.
أما اتفاقية الشراكة الاستراتيجية والشاملة فتشكل نقلة نوعية في طبيعة العلاقة، إذ تجمع بين الدعم المالي والاستثماري وبين الإصلاحات الهيكلية، وتربط المساعدات ببناء اقتصاد أكثر قدرة على النمو والتشغيل، فيما تعكس الحزمة المالية المعلنة ثقة أوروبية بالاقتصاد الأردني وبمسار التحديث السياسي والاقتصادي، وتفتح المجال أمام استثمارات نوعية في قطاعات الطاقة والمياه والتكنولوجيا وريادة الأعمال.
الدعم الأوروبي للأردن شكل أحد أعمدة هذه العلاقة، إذ يعد الاتحاد الأوروبي من أكبر المانحين للمملكة، وفي إطار اتفاقية الشراكة الاستراتيجية والشاملة، تم الاتفاق على حزمة دعم اقتصادي بقيمة تقارب 3 مليارات يورو للأعوام 2025-2027، تشمل منحا بنحو 640 مليون يورو، واستثمارات بقيمة 1.4 مليار يورو، ودعما للاقتصاد الكلي يقارب 1 مليار يورو، كما صرفت المفوضية الأوروبية في أيلول 2025 دفعة بقيمة 250 مليون يورو ضمن برنامج المساعدة المالية الكلية، على أن تستكمل الدفعات المتبقية خلال عامي 2026 و2027.
على الصعيد التجاري، تشكل أوروبا شريكا اقتصاديا مهما للأردن، حيث بلغت قيمة الصادرات الأردنية إلى الاتحاد الأوروبي نحو 520 مليون دينار خلال الأشهر العشرة الأولى من عام 2025، مدعومة باتفاقية تبسيط قواعد المنشأ التي عززت تنافسية الصناعة الوطنية، خاصة في قطاعات الألبسة والأسمدة والأدوية والمنتجات الكيماوية والزراعية، في مقابل واردات أوروبية تجاوزت 2.6 مليار دينار خلال الفترة ذاتها.
في البعد السياسي للاتفاقية والذي لا يقل أهمية عن شقها الاقتصادي، تمت إعادة التأكيد وبشكل واضح على مركزية القضية الفلسطينية، والحفاظ على الوضع التاريخي القائم في القدس، والاعتراف بالدور الهاشمي في حماية المقدسات، وهو ما يمنح الأردن عمقا دبلوماسيا إضافيا في في الدفاع عن ثوابت المنطقة ومواجهة محاولات فرض وقائع جديدة في المدينة المقدسة.
في المحصلة، تعكس القمة والشراكة مع الاتحاد الأوروبي انتقال الأردن من موقع المتلقي للدعم إلى موقع الشريك في صياغة الاستقرار، وتضع أمام الطرفين مسؤولية تحويل التفاهمات السياسية إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن، بما يعزز الثقة، ويدعم التنمية، ويكرس الأردن ركيزة استقرار وشريكا موثوقا في معادلة أوروبية تبحث عن التوازن في منطقة غير مستقرة تجمع الكثير من التناقضات والقوى المتضادة والمتصارعة في آن معا.
