تغمدهما الله بواسع رحمته وجزاهما الله خيرا على ما قدموه للأردن وللصحافة والإعلام ولكل ما صار يعدّ من أسباب القوة الناعمة.
أكرس هذه السطور لإرث عظيم خلّفه الراحلان المبجّلان محمد كمال المدير المؤسس للتلفزيون الأردني ومؤسسة الإذاعة والتلفزيون العريقة، ومذيعها المخضرم جميل عازر، سفير المؤسسة وسفير المملكة، الإعلامي الرصين صاحب الإطلالة والحضور الوقور، والإلقاء والصوت الرخيم إلى بريطانيا وقطر عبر خدمته الطويلة في هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» وقناة الجزيرة.
لا يغيب عن البال أصحاب السبق والفضل، القامات الإعلامية الأردنية الكبيرة أمثال إبراهيم شاهزادة وسمير مطاوع وجبر حَجّات وغالب الحديدي ورافع شاهين ومحمود أبو عبيد ونبيلة السلّاخ ورباح الروسان وعفاف قضماني وغيرهم الكثير من النجوم، من المبدعين في ميادين أخرى كالإخراج من أمثال فكتوريا عميش وجمال نوفل، ومن جمع بين عالمي الإخراج والإنتاج التلفزيوني والدرامي كعدنان العواملة.
لا يتسع المقام لإيفاء مقامهم القدر الذي يستحقون، لكن رحيل صاحب من نحت شعار «الرأي والرأي الآخر» جدير بالتأمل وليس فقط الترحم على هذه الشخصية الفذة، واستذكار سجاياه وخصاله الشخصية قبل أفضاله المهنية التي حفلت بها منصات التواصل الاجتماعي على مدى أيام، اعتزازا بمعرفته عن قرب واستاذية عازر لنجوم أردنيين وعربا، ملأوا السمع والبصر في فضائيات عربية ودولية ناطقة بها وبغيرها من اللغات الأجنبية خاصة الإنجليزية.
تلك هي القوة الناعمة والدبلوماسية العامة التي يا ليتنا جميعا -مرسلين ومتلقين ومؤثرين- وليس المسؤولين فقط، ليتنا نتنبّه إلى مدى أهميتها، والأمر لا يقتصر فقط على ما قد يراه البعض مجرد «مهنة» صحافة أو «وظيفة» إعلام، وعاملين أو متقاعدين أو متعاقدين في هذه المؤسسة أو تلك الشركة!
توقفت عند الشعار -الرأي والرأي الآخر- بإجلال، وقد غاب تطبيقه عن معظم قنوات العالم وليس فقط الشرق أوسطية أو العالمية التي تبث من خارج الإقليم إلى شعوبه من «المحيط إلى الخليج»! حتى ما يبدو أنه «الرأي الآخر»، صار ثغرة في البنيان التحريري أو المشهد الإعلامي برمته لدى كثير من القنوات والمنصات.
العبرة في تعريف ما هو «الرأي»، فله ولأصحابه فقط تُمنح المنابر الإعلامية والفضاء العام، وإلا صارت الأمور «سداحا مداحا» وقد تحولت حرية التعبير لدى البعض فوضى ليست بخلّاقة، فوضى لا تفضي إلى الخراب أو الوهن أو الفرقة أو الضياع. الصراخ والشتم ليس حرية ولا رأيا ولا رأيا آخر.
بالتزامن مع تلك الحقبة الإعلامية الفارقة في تاريخ المنطقة كان البرنامج الشهير «أكثر من رأي» الذي قدمته أيضا قامة أردنية باسقة هي الأستاذ سامي حداد رحمة الله عليه. كان للحوار معه كالأستاذ عازر رحمه الله، كان له هيبته و وقاره وجماله، قبل أن تشوه الفضاء وتلوث الأثير «اتجاهات» أقل ما يقال فيها إنها مشبوهة، وهي في الكثير منها مشينة، سنّت سُنّة قبيحة على أصحابها وزر كل هذا التلوث السمعي-البصري الذي تنضح به بعض الأبواق، على ما استطاعت التسلل إليه أو تسلّقه من المنصات والشاشات ذات الأجندات الأبعد ما تكون عن رسالة الصحافة وأخلاق المنتسبين بشرف واقتدار وجدارة إليها.
قد لا يكون واضحا منذ البداية، لماذا قرنت العنوان بمحمد كمال وجميل عازر. والغاية من رواء ذلك -والله من وراء القصد- هي توكيد مدى أهمية دور قائد المؤسسة أو الفريق الإعلامي الوطني والذي ينبغي أن يكون شخصا واحدا لا جسما متعدد الرؤوس، باسم ما تسمى هيئات أو مجالس إدارة، أهمية ذلك القائد-مدير تكمن في كونه صاحب التفويض التام والمطلق والحصري في التصرف دون الرجوع إلى أي كان إلا طلبا للمشورة الاختصاصية أو الاستعلام أو التوثيق قبل اتخاذ القرار أو تنفيذه، بعيدا عن التردد والاتكال وأي مظهر من مظاهر الضعف لا قدّر الله. الثورة الرقمية والتقنية لوسائل الاتصال الجماهيري صارت تقاس بالثانية لا بالساعات الإنتاجية ولا بالدورات البرامجية الفصلية أو الموسمية!
«الإعلام المرعوب» كما وصفه يوما ما رئيس الوزراء الأسبق دولة عبد الرؤوف الروابدة بارك الله في عمره، «رعبه» إداريّ، ليس مؤسسيا ولا سياسيا ولا وطنيا. وإلا بماذا يُفسر نجاح الكبار في ميادين شتى، من بينهم الإعلاميون والأطباء والمهندسون والمستثمرون والصناعيون والرياضيون والفنانون الأردنيون في سائر أرجاء المعمورة.
إنما هي الإدارة المهنية المبدعة والجريئة، والبيئة الوظيفية الجاذبة لا الطاردة، والأمان الوظيفي الحقيقي المعزز بروح الانتماء والفريق هي الكفيلة بالنجاح دون ترويج لنجاح أو تبرير لتعثر. وفي ذلك لا يوجد لا رأيا آخر ولا أكثر من رأي، يوجد مع الأسف ذلك الاتجاه المشاكس أو قوى الشد العكسية التي لا بد من التخلص منها بأي طريقة إدارية ممكنة، على نحو يتسم بالشفافية.
الإعلام الأردني لم يعد مجرد صورة أو سفارة، إنه أمانة ورسالة، ونجومه بمثابة رأس مال ومنتج وطني حري بالاستقطاب والاستثمار والتكريم قبل الرحيل..
ما جمع بين تجربتيْ «مستر» كمال وبين الأستاذ عازر لم يكن انتماؤهما للأردن الحبيب وولاؤهما للعرش الهاشمي المفدى فحسب، أو اطلاعهما على التجربتين الأمريكية والبريطانية في الإعلام، بل كانت المهنية أولا وآخرا، شكلا ومضمونا وبما يخدم بأمانة رب العمل ويصون بإخلاص فريق العمل، ويترك إرثا ما زلنا نعتز به ونحدث الناس عنه، أينما كان البث وحيثما كان المتلقي للإرسال..
