حين يجري الحديث عن “منعة الدولة”، فنحن أمام مفهوم يتجاوز شكل المؤسسات ونصوص القوانين إلى جوهر القدرة على الصمود والبقاء في عالم مضطرب تحكمه المصالح المتغيرة بتغير الضروف الاقليمية والدولية،فمنعة الدولة تعني امتلاك عناصر القوة التي تحمي بنية الدولة وكيانها وتصون الوحدة، وتمنح المجتمع ثقة راسخة بالمستقبل، فهي حالة وعي وجاهزية، يتحول فيها الاستقرار إلى قيمة استراتيجية، ويغدو التماسك دليلا على نضج الدولة وصلابة مشروعها الوطني.
في هذا السياق يبرز الأردن بوصفه أنموذجا جديرا بالتأمل، هذه الدولة التي تقع في قلب إقليم مثقل بالأزمات والحروب والتحولات والتفاعلات الحادة، والتنافس المحموم بين القوى الاقليمية والدولية بحثا عن مصالحها في هذه المنطقة ، ومع ذلك استطاعت عبر عقود أن تحافظ على استقرارها، وأن تبني قدرة عالية على الصمود، مستندة إلى حكمة سياسية وتماسك اجتماعي، ووضوح في البوصلة الوطنية، فتشكلت منعة الأردن عبر إدارة واعية للتحديات، وإيمان راسخ بأن الاستقرار شرط أساسي لبقاء الدولة وحماية مجتمعها.
تبدأ منعة الدولة الأردنية من وضوح الرؤية الوطنية والسياسية، القائمة على الاعتدال، وحماية المصالح العليا، وتجنب المغامرات غير المحسوبة، وفي الواقع إن هذا الوضوح مكّن الأردن من التحرك بثبات في محيط متقلب، وبناء شبكة علاقات دولية متوازنة عززت مكانته، ووفرت له هامشا واسعا للمناورة، فتحولت الرؤية إلى إطار حاكم للسياسات العامة، يربط بين الداخل والخارج ضمن تصور متكامل للأمن والتنمية.
الاقتصاد شكل أحد أبرز التحديات لمنعة الدولة، ومع ذلك جرى التعامل معه بوصفه ركنا من أركان الأمن الوطني. ورغم محدودية الموارد، سعى الأردن إلى تنويع اقتصاده، والاستثمار في رأس المال البشري، وتطوير قطاعات التعليم والخدمات والصناعات الواعدة، فحقق التقدم باتجاه اقتصاد إنتاجي أكثر عدالة؛ مما أسهم في تقليص الهشاشة الاجتماعية، وتعزيز قدرة المجتمع على التحمل، وبالتالي جعل الاستقرار الاقتصادي سدا واقيا في وجه الاضطرابات.
وتتعزز منعة الدولة عبر بناء الثقة بين الدولة والمواطن،هذه الثقة التي جاءت كنتاج طبيعي للحكم الرشيد للقيادة الهاشمية وسيادة القانون، والمؤسسات التي تحافظ على قدر من الشفافية والمساءلة، وحين يشعر المواطن بأن دولته حاضرة وتحمي كرامته، يتحول الانتماء إلى قوة فعلية تحمي التماسك الداخلي وتمنع الانزلاق نحو الفوضى، وهذا ما فعله الشعب الأردني.
كما لعب التعليم والثقافة دورا محوريا في ترسيخ المنعة الأردنية، فالاستثمار في الوعي، وبناء عقل نقدي منفتح ومرتبط بهويته الوطنية، شكلا خط الدفاع الأعمق في مواجهة التطرف والتضليل، حيث أسهمت الثقافة الوطنية الجامعة في احتضان التنوع وإعادة إنتاجه ضمن إطار الدولة، بما عزز الشعور بالمصير المشترك.
أما الأمن، بمفهومه الشامل، فكان ركنا أساسيا في منعة الأردن، من حماية الحدود ومواجهة الإرهاب، إلى الاهتمام بالأمن الغذائي والمائي والصحي، كما نجحت المؤسسات الأمنية المحترفة والمنضبطة في تحقيق التوازن بين الحزم وصون الحقوق، فترسخت هيبة الدولة وتعززت شرعيتها.
في المحصلة، يقدم الأردن أنموذجا لدولة بنت منعتها من الوعي قبل القوة، ومن التماسك قبل الوفرة، فبنى منعة تصان يوميا عبر قرارات صعبة، وشراكة مستمرة بين الدولة والمجتمع، وإيمان راسخ بأن قوة الأردن تكمن في وحدته، ووعيه، وقدرته على تحويل التحديات إلى فرص، وبناء مستقبل يقوم على الاستقرار والمنعة.
