عروبة الإخباري –
ليس الجمال حادثة عابرة، ولا الإبداع صدفة مؤقتة. ثمة أسماء تولد وفيها شرارة مختلفة، كأنها خُلقت لتكسر المألوف، وتعيد تعريف الأناقة، وتوقّع حضورها خارج حدود الزمن، فهناك أسماء لا تُقدَّم، بل تُكتشف، ولا تُشرح، بل تُعاش. من هذا المقام العالي، يطلّ طوني شعيا؛ لا كاسم في عالم الأزياء، بل كنبضٍ جماليّ، وكحالة فنية مشتعلة، وكأسطورة تتشكّل بهدوء الواثقين.
هو من أولئك الذين لا يطرقون الأبواب، لأن الأبواب تُفتح لهم تلقائيًا، ولا يرفعون الصوت، لأن أعمالهم تتكفّل بالصدى. هنا، حيث يبدأ الحديث عنه، لا يبدأ الوصف… بل تبدأ الحكاية.
وليس شرطًا أن نلتقي الأشخاص وجهًا لوجه كي ندرك عظمتهم، فبعض الأسماء تسبق أصحابها، وبعض الحضور يفرض نفسه من خلال الأثر، لا اللقاء، هكذا هو طوني شعيا؛ الذي عرفته وربما عن قرب كبير، هو اسمٌ لا يُتداول كغيره، بل يُهمَس به بإعجاب، ويُقال بثقة، ويُكتب كما تُكتب الأساطير، لا على عجل، بل بوعي من يدرك أنه أمام حالة نادرة.
نحن لا نؤمن بالجمال العابر، ولا نعترف بالأناقة التي تطلب الإذن، ولا نوقّع على موضة بلا عمود فقري.
من هنا، لا يُقرأ طوني شعيا كمصمّم أزياء، بل كموقف جمالي مكتمل.
وإن لم تجمعني به معرفة شخصية مباشرة، فإن الصورة التي تتشكّل عنه الراقية، النابضة بالحيوية والرقي الإنساني والثقافي، تؤكّد أن الإبداع الحقيقي لا يولد من فراغ، بل من بيئة مشبعة بالقيم، والذوق، والوعي الجمالي. وكان الفضل في فتح نافذة مشرقة على هذا العالم .
طوني شعيا ليس مصمّم للأزياء فقد، بل هو شاعر يكتب قصائده بالخيط والإبرة، ونحّات ينحت الأنوثة لا ليزيّنها، بل ليحرّرها، وفيلسوف جمالي يرى المرأة لا كهيئة، بل كحضور، كقوة، كحلم يعرف طريقه.
في تصاميمه، لا شيء اعتباطيًا. القماش شريك لا مادة. التفصيل قرار لا زينة. والتطريز ذاكرة تعمل ضد النسيان.
فقد اشتهر طوني شعيا بتصاميم جمعت بين فخامة تعرف متى تصمت، وأنوثة تعرف متى تفرض حضورها. فخامة لا تصرخ لأنها لا تحتاج، وأنوثة لا تُستعرض لأنها واثقة. هو المصمّم الذي يفهم أن الجمال الحقيقي لا يُقاس بالبريق، بل بالتوازن، وبالقدرة على تحويل الفستان إلى حالة، وإلى ذاكرة، وإلى موقف.
ولهذا، لم يكن وصول تصاميمه إلى السجادة الحمراء مجرّد نجاح مهني، بل نتيجة طبيعية لمسار صادق. هناك، حيث الضوء قاسٍ والنقد لا يرحم، ارتدت فنانات وإعلاميات عربيات توقيعه لا ليتزيّنّ، بل ليُعلنّ انتماءهنّ إلى مستوى أعلى من الذوق والوعي. في كل ظهور، كانت تصاميمه تقول الكثير من دون كلمات، وتسرق الضوء من دون ضجيج.
نحن لا نلاحق الموضة…. نحن نضعها أمام المرآة.
فطوني شعيا ينتمي إلى مدرسة نادرة؛ مدرسة تحترم الحرفة كما تحترم الخيال، وتقدّس الجمال كما تقدّس الإنسان. مدرسة تؤمن أن الأسطورة لا تُصنع بالادّعاء، بل بالاستمرارية، وبالإخلاص للفن، وبالإيمان العميق بأن الأناقة موقف أخلاقي قبل أن تكون مظهرًا خارجيًا.
طوني شعيا ليس اسمًا يُضاف إلى المشهد، بل ركيزة تُعاد حولها صياغة المعنى.
شهادة حيّة على أن الإبداع العربي، حين يُصاغ بصدق، لا ينافس فقط… بل يبقى. ويتحوّل إلى خلود.
