د. سلطان الخضور
لمّا اختار الشاعر عمر أبو الهيجاء «توابيت وقبر واحد» عنوانًا لروايته، كان يدرك تمامًا أن هناك في كل لحظة شهداء يسقطون في أرض الوطن، وأن هؤلاء لا يجدون وقتًا لحفر القبور والدفن، وأنّه يدرك أيضًا أن الأجساد هي التي تُدفن فقط حماية لها من دواب الأرض، وأنّ الرّوح تصعد إلى السّماء دون الحصول على إذن من أحد، وأن الصّعود إلى رب الأرض أجلّ من العودة والدّفن فيها، ولا أعتقد أنّه لهذه الأسباب وحدها اختار أن يكون هكذا عنوان هو العتبة الرئيسة لهذه الرّواية، بل لأنّه يشعر بقربه من الحدث نظرًا لمتابعته الحثيثة لما يدور في الأرض المحتلّة من أحداث داميات، تستحق أن تروى تحت هذا العنوان، ولاستثارة فكر المتلقي أيضًا للتفكير في المغزى، فكان عليه أن يأتي بالمثير الذي يستحق أن يشير إلى أهميّة الحدث وخاصة أنّه شهد أحداثًا دمويّة يندى لها الجبين واستغرق وقتًا لم تشهده منازلات سابقات مع نفس العدو.
لقد ارتأى أبو الهيجاء أن يسهم بالشواهد الحيّة في تثبيت حق الفلسطيني في أرضه التي تسمّى باسمه، ودحر الرّواية الصهيونيّة التي تدّعي أنّ لها حق فيها، لكنّه لم يعبر عن ذلك شعرًا، وهو الشّاعر المتمرس المعروف بقصيدة النثر، ربما لأنّه يدرك أن السّرد الرّوائي أسرع وأنجز من القصيدة التي بكل أحوالها تحتاج إلى إعمال الفكر في كل مفردة، وما تحمله من معنى وموسيقى وربما قافية مما يعيق انسيابية السّرد ويكون سببًا في التلكؤ، والحدث جلل لا يتحمّل التأخير ولا طول التفكير.
وقد أشار المؤلف في إهدائه «أن يكون للمنفيين على أطراف الأرض»، وهذه عتبة مهمة تحمل معنى عميقًا، فهو وإن قصد هذا العدد من الشّعب الفلسطيني الذي يعيش في المنافي إلا أنّه ترك المصراع الثاني من الباب مفتوحًا لأنّه يدرك أن مع هذا الشعب الكثيرين من أحرار العالم، الذين ثاروا لعدالة القضيّة، فصاروا من أحرار العالم واستحقوا الذّكر مع المنفيين بتهمتهم أنهم يعشقون الحريّة، فهو يدرك أن المنفيين على أطراف الأرض ليس لهم زيّ أو لون أو عرق أو دين موحّد، ولم تكن كلمة «أطراف» التي سبقت الأرض من حشو الكلام، فهي تعني أن المنفي ليس له خيار وليس ترفًا، فكأنّه يلقى به في أوّل نقطة يصلها النافي فيلقي بالمنفي على الطّرف وليس من متّسع من الوقت مع النافي ليحط المنفي بهدوء في بقعة يختارها، فهي البلاغة في المعنى إذن، فليس للمنفي ترف الاختيار.
وقد وفّق الكاتب في اختيار الفقرة التي جعلها إضاءة لروايته وهي لـلشاعر بابلو نيرودا، ولكل كلمة في هذه الإضاءة دلالاتها، فكلمة (هنا) تشير إلى مكان الحدث الذي حصلت فيه الرّواية والضّبع وسمك القرش أبلغ تعبير عن المحتل وعن المستوطنين الذين استحلّوا أرض غيرهم فاحتلّوها فكانت «فليخرج من هنا الضبع وسمك القرش»، ويضيف نيرودا: «وليحجم الأشرار عن قتل الطّيّبين». وما الأشرار إلا المستعمرين المغتصبين المحتلّين القتلة الذين أمعنوا في قتل أناس لأنّهم لا يريدون لهم البقاء على أرضهم. وللتعبير عن بغضه للقتلة يختمها بـقوله» لا يوجد قاتل طيّب».
ويبرز الكاتب انخراطه وانفعاله الشعوري بالحدث على الوجه الآخر من الرّواية، ويصف الصّامدين بأنهم متجذّرون بأرضهم كشجر اللوز والزيتون، وكأنّه يستجير بالله فيدعو الأرض إلى الشدّة على الأعداء ما دام الدّم ساخنا في العروق، ويستمطر السّماء أن تغيث المنكوبين.
والرّواية هذه، وقبلها ديوان «وأقبّل التراب» كانت من الإصدارات الخالصة التي تتحدّث عن فلسطين، ففي الديوان ذُكرت المدن والبلدات الفلسطينيّة التي زارها الشاعر والتي امتصّت الحزن والألم لفترة وجيزة وأعادتها مشحونة وموجعة للقلب، لتأتي الرّواية بأحداثها وشخوصها لتدحض الرّواية الصهيونيّة وللتأكيد أن كل ما على هاتيك الأرض من بشر وشجر وحجر لنا، لأنه كلّه لا يعرف إلا الضاد لغة، والبحر أمواجه تستشيط غضبًا وتعلن رفضها للغباء، والبحر بطنه وجوفه وشطآنه كل يشعر بثقل هؤلاء الأغراب.
يبدأ الرّوائي الجزء الأوّل من فصله الأوّل الذي أسماه «الرّحى»، ليدلل على أصالة التاريخ، فالرّحى من الموروث الفلسطيني كما هي من الموروث الشامي، وما كانت الرّحى وهي بالمحكية » الجاروشة» إلا امتدادًا لموروثات الوطن، كما هي أرض الرحى امتدادًا لأرض العروبة، ويبدأ بالكشف عن العلاقة التي تربطه بالمكان فتكون جملته الأولى: «الشّجر المترامي على جوانب الطرقات، أعرفه ويعرفني»، وقد استطعت أن أقف على عشرات المفردات التي تعبّر عن ارتباط الراوي بالرّواية وارتباط كليهما بالمكان، لأنه كان على مدى ستين عامًا يمثل مشهدًا من فصولها، فمفردات وعبارات وجمل وردت في هذا الفصل تؤكّد مدى انصهار الكاتب مع ما كتب. فالطرق التي غاصت فيها أقدام المتعبين، هو تعبير عن عمق التجذّر في الأرض، لأن الغوص كما الغور اتجاهه نحو العمق، «وهذي الجبال بامتداد قامات أهلها الصّابرين تنقر ذاكرتي»، وهذه إشارة إلى رسوخ الأهل ذكورّا وإناثًا وثباتهم كما الجبال، والصومعة فيها إشارة للوحدة الوطنية، ونقر الذاكرة هو رسم للطبيعة وفعل العصافير عندما تنقر الثمر، عندما قال: «تحتل صومعة رأسي المسكون بالآهات»، وعربات الخيل تكريس لمشهديّة متكررة في جزء من الوطن، وعندما قال: «كي يوقدوا نار الطوابين» استحضر جزءًا رئيس من التراث الفلسطيني وهو الطابون المترسخ في وجدان كل من له علاقة بالأرض، وعندما يطلق الأطفال طائراتهم الورقية باتجاه الأفق، فهو يشرك شريحة كبيرة وهم الأطفال بتراثهم وكذا النساء اللاتي يلبسن ثيابًا مطرّزة بالنّجوم، نجد إبرازًا للثوب ومهنة التّطريز، ولعلو شأنها ربطها بالنّجوم، ولم ينس الأصوات العذبة لبائع الصّبر، هذا الصّبر المزروع على أطراف الحواكير على حواف السنسلة، وهذا الـشعب من أكثر شعوب العالم حاجة للصّبر، لكثرة ما تعرض له من ظلم، وها هو وقد جعل من تغاريد العصافير تهاليل على عتبات النهار، وصياح الديك في الصباح يبشر بيوم متلاطم الأمواج، ونادى الفلاحين لينشدوا نشيد الفجر، أما حاله فوصفها كمن يتجرع كؤوس الأسى- كل هذا على صفحة واحدة هي الصفحة الأولى.
أما على قسمه الثاني، فقد كان دور فرحان -شخصيّة الرّواية- ليفرغ شحناته التراثيّة وليخرج شيئًا من الموروث الشعبي، وعلى سجيته عندما لكزه خليل بعصاه يضع ثوبه بين أسنانه وتحضره أغنية تراثيّة: «يا الله الغيث يا ربي/ يستقي زرعنا المروي/ يا الله الغيث يا دايم/ تسقي زرعنا النايم».
إذن فرحان على سذاجته يكتنز شيئًا من التراث وينشد المطر وليس هذا فحسب، بل يعرف حدّ قريته ويتذكر أعراس بيادر القمح ودقّة اليرغول والمزمار وحواكير الدور ونشيد يا «مايلات العصايب»، وفرحان يدرك الحقيقة وبوح بها لزوجة المختار التي واجهته بالحقيقة بأن المختار تسلط على أرض أبيه وباعها للخواجا، وتهزه كالصدمة الكهربائية ويتذكر المختار زوجته فاطمة ويتذكر ما كانت تحدو به: «نزل دمعي على خدّي طريقين/ يا شبه الميّه بالسّهله طريقين/ أنا خمنت الموت والفرقة طريقين/ أتاري الموت والفرقة سوا/ أنا تمنيت ربي ما خلقني/ خلقني للمرارة والعذاب».لكن المختار بعنجهيته قال: «لتعلم فاطمة، حجر الرّحى لن يتوقف، سوف يطحن من يقف بوجهه حتى لو كانت فاطمة».
أراد الكاتب أن يرينا أنّ هذا هو الفرق بين المواطن الذي يحب أرضه ويخلص لها ويضحّي من أجلها، وبين الوصولي المنبطح الذي لا يرى إلا مصلحته حتى لو كانت تتطلب الدّوس على أقرب الناس إليه، ولو كان يعرف مصلحته الحقيقيّة لأدرك أنها بالانحياز لقومه ووطنه.
وحتى تكون الرواية أقرب إلى الواقع تمنيت على الرّوائي لو أنّه جعل لغة الرّواية تراوح بين العاميّة والفصحى وخصوصًا ما جاء على لسان فرحان، فهو يمثل شخصيّة الأهبل، فالأولى أن ينزل الكاتب إلى لهجته المحكيّة، لأننا لا نفترض فيه أن يتحدّث الفصحى.
أما انتماءات العناوين الفرعية للعنوان الرئيس فقد كانت مجازية، أي أنها تنتمي انتماءً أدبيًا بأهدافه ومعانيه ودروسه وعبره، أما المفردات فقد انتمت بدرجة كبيرة مع العناوين الفرعية، وليس الأدب كالعلم فيمكننا التعامل مع مجاز المعنى ومراده.
أما على صعيد الأمور الفنّية الأخرى، فقد جاءت الرّواية مكتملة الأركان وتحقّق متطلبات الطّباعة والنّشر، وأنها ستشكّل إضافة للمكتبة المحليّة والعربيّة وستسهم في توضيح الرّواية العربيّة مقابل الرّواية الصّهيونيّة.
