عروبة الإخباري –
لا يختلف اثنان على أن العالم اليوم يرزح تحت وطأة المادية المهيمنة واستشراء نزعة العنف والكراهية والنزاعات الدولية والصراعات الدينية التي مزقت المجتمع الإنساني في مختلف أنحاء المعمور.
فقد كان الدين ولا يزال هو الملجأ الأول للإنسان لعلاج مختلف الأمراض والأعطاب البشرية ومن أجل استتباب الأمن الروحي وبناء مجتمع إنساني جديد يسوده العدل والاعتدال والتسامح وقبول الآخر المختلف فكريا أو عقديا.كان لابد من البحث عن السبل الناجعة لذلك من أجل مواجهة كل مظاهر الكراهية والتصادم والحروب.
من هنا انطلقت فكرة الدعوة إلى الحوار بين أتباع الديانات نظرا لأهميتها في بسط وحل الإشكالات الجسيمة التي ترزح تحتها الإنسانية. فالأديان إذا فهمت فهما صحيحا وعميقا ودقيقا نراها في مجملها تشترك في عنصر أساسي يتمثل هي الدعوة إلى احترام النفس الإنسانية سواء تعلق الأمر بأديان سماوية أو فلسفات وضعية.
فبفضل الحوار تم التوصل إلى نتيجة حتمية هي أن البشر جميعهم هم خلق لله تعالى، ومن سنته سبحانه في خلقه التنوع والاختلاف.
قال الله تعالى في ( سورة هود، الآيتان118-119) « وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ، إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ ۗ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ». ومن أجل التعايش بين المختلفين شرع الله سبحانه وتعالى التعارف، وجعل الحوار هو الوسيلة المثلى. فالقرآن الكريم بأحكامه المجملة والتفصيلية يؤسس لمبدأ التنوع والتعدد، ويمهد السبل للاعتراف بالغير مصداقا لقوله تعالى في (سورة الحجرات الآية :13)« يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ». ولم يقف التعارف مع الآخر عند حدود المعرفة السطحية، وإنما تعداها إلى الدعوة إلى الإيمان بكل ما أنزل على جميع الأنبياء السابقين قال في كتابه العزيز، (سورة البقرة الآية :136)« قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ».
فالحوار إذن معطى قراني وهو سبيل للتفاهم والتعارف مع أهل الكتاب قال الله تعالى في (سورة آل عمران الآية:64 )« قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ» فأهل الكتاب هم أول من تخاطبهم الرسالة المنزلة كما أنها تخاطب الناس جميعا.إنه حوار قائم على أسس ثابتة يراعي العدل والتساوي والإنصاف. وهو ما يجعلنا نستنتج أن الحوار هو أساس بناء المجتمعات سواء كان حوارا داخليا بين أفراد المجتمع الواحد أو خارجيا بين أهل الأديان المتنوعة. لهذا فالقرآن الكريم وضع الأسس الأولى لحوار معتدل سلمي ينأى عن الغلو والتطرف. لأن الدين الحق هو الذي يؤلف بين القلوب.
لقد أكد الإسلام على ضرورة سلوك منهج الحوار في مجموعة من القضايا المصيرية التي تتعلق بالعقيدة والشريعة والحياة؛ فالحوار الحقيقي لا يستقيم في الفرد والجماعة مادام المحاور لا يستشعر بأن الآخرين إخوة له، وعليه أن يتعايش معهم على أسس ومشتركات دينية وإنسانية، ويتوافق معهم فيما يضمن المصلحة الكبرى للجميع بغض النظر عن الجنس أو اللون أو اللغة أو الدين. وقد جعل القرآن الكريم هذا التعدد الذي نطمح إليه في عالم اليوم آية من آيات الله الدالة على خلقه، وسمة على عظيم صنعه،
من سوء حظنا نحن العرب والمسلمين أننا أصبحنا في موقع المتهم الذي ألصقت به دون تحر أو تثبت تُهم هو بريء منها. فوقع الخلط المقصود بين الإسلام دين التسامح الحق كما يُمثله غالبية المسلمين وبعض الجماعات الدينية المتطرفة التي لا تمثل إلا نفسها. هو خلط مقصود وأضع خطا أحمر تحت “مقصود” لأنه يعكس بعض أوجه الصراع القديم بين الغرب والإسلام. فبمجرد الإعلان عن وقوع حدث إرهابي وحتى قبل التأكد من هوية فاعليه يُسارع الإعلام الغربي إلى نسبة الفعل الإجرامي إلى شخص له ملامح شرق أوسطية أو مغاربية أو ما شابه ذلك، وتتعالى أصوات الخبراء الذين يبحثون في ماضي تاريخ الإسلام عن قرائن تؤكد تجذر العنف في الشخصية الإسلامية، وتُزين أغلفة كبريات المجلات صور الدم واللحي والسيوف والمصاحف. ولايمكن تجاوز هذه الصورة التي رسختها وسائل الإعلام والتكنولوجيا الجديدة من ( فيسبوك (Facebook) تويتر (Twitter) يوتيوب (YouTube) لينكد إن (Linked in) بنترإيست (Pinterest) جوجل بلس (Google Plus) تمبلر (Tumblr) إنستغرام (Instagram) ماي سبيس (Myspace).. … ) التي رسخت صورة المسلم الإرهابي في الفكر والعقلية الغربية أو ما يمكن أن نصطلح عليه بالاسلامو فوبيا وهو الخوف المرضي والجماعي من الإسلام والمسلمين.أعتقد أن الوقت حان لتصحيح تلك الرؤية القدحية عن الإسلام ولن يتم ذلك إلا من خلال:
– أولا بالتعرف على الآخر ،
– وثانيا التأكيد على أن الإسلام هو دين التسامح الحق،
– ثالثا مواجهة بعض الأفكار الدخيلة التي لا تُمثل الإسلام في شيء، والتي قد تجد في بعض شبابنا الغُفل صيدا ثمينا تحركه كما تشاء،
– رابعا إشاعة ثقافة السلم. فنحن الذين نُشكل أغلبية في مجتمعاتنا المسلمة أصبحنا كذلك نُمثل أقليات في مجتمعات أخرى. إن حرصنا على حماية الآخر في مجتمعاتنا هو بشكل أو بآخر حماية لنا أو لأبنائنا أو لبني جلدتنا في مجتمعات أخرى.
– ولن يتأتى لنا ذلك إلا من خلال الحوار بين أتباع الديانات والمختلفين عقديا أو لغويا أو دينيا.
