لم يكن الأردن يومًا بعيدًا عن إدراك التحولات العميقة التي يفرضها العصر الرقمي، وقد تعامل تاريخيًا مع التحديات الأمنية بعقل الدولة التي توازن بين الاستقرار والانفتاح والتحديث.
وفي هذا السياق، لم يعد الأمن الرقمي ملفًا تقنيًا محدود التأثير، بل أصبح أحد الركائز الأساسية للأمن القومي وحماية الدولة، خاصة في ظل تصاعد التهديدات السيبرانية العابرة للحدود وتحوّل الفضاء الرقمي إلى ساحة صراع غير تقليدية بين الدول.
الهجمات السيبرانية اليوم لم تعد مجرد محاولات تعطيل أو تشويش، بل أدوات استراتيجية قادرة على التأثير في الاقتصاد الوطني، إرباك المرافق الحيوية، وممارسة ضغط غير مباشر على القرار السياسي.
ورغم ذلك، استطاع الأردن خلال السنوات الأخيرة أن يراكم خبرة مؤسسية متقدمة في التعامل مع هذا النوع من التهديدات، من خلال تطوير بنى تحتية رقمية أكثر صلابة، وبناء قدرات وطنية متخصصة في الرصد المبكر والاستجابة السريعة، وترسيخ ممارسات احترافية لإدارة المخاطر الرقمية. ومع توسع الدولة في الاعتماد على الرقمنة داخل الإدارة العامة، والقطاع المصرفي، وقطاعات الاتصالات والطاقة، بات واضحًا أن الأردن لا يتعامل مع الأمن السيبراني كاستجابة ظرفية، بل كمسار استراتيجي متكامل، يدرك أن الحماية التقنية وحدها لا تكفي ما لم تُسند بمنظومة قانونية وتشريعية صلبة تضبط هذا الفضاء وتحميه من الاستغلال الخارجي المنظم.
إن جوهر التحدي في البيئة الرقمية الحديثة لم يعد تقنيًا بحتًا، بل تشريعيًا واستراتيجيًا بالدرجة الأولى. يمكن أن تُستغل الثغرات القانونية بصورة منهجية، سواء عبر استهداف البيانات، تعطيل الخدمات، أو التأثير غير المباشر على القرار العام. من هنا، يبرز التشريع السيبراني بوصفه أداة تهدف إلى تنظيم الفضاء الرقمي، تحديد المسؤوليات، وضبط الصلاحيات، وحماية البنية التحتية المعلوماتية للدولة.
فالقانون في هذا السياق لا يُقاس بصرامته المجردة، بل بقدرته على تحقيق التوازن بين متطلبات الحماية واستقرار المعاملات القانونية، بما يضمن حماية البيانات واستمرارية المرافق الحيوية، ويوفر للمؤسسات العامة والخاصة إطارًا قانونيًا واضحًا لإدارة المخاطر الرقمية، حيث يصبح التشريع أداة وقاية وتنظيم قبل أن يكون وسيلة ردع.
وحيث أن الأنظمة الرقمية تتداخل ببعضها وتتجاوز فيها الهجمات الحدود الجغرافية، يكتسب انخراط الأردن في الاتفاقيات الدولية المتخصصة بالأمن السيبراني، وتبادل الخبرات والمعلومات، أهمية استراتيجية مضاعفة. هذا الانخراط لا ينتقص من الدولة، بل يعزز من قدرتها على التعامل مع التهديدات الرقمية ضمن أطر قانونية معترف بها دوليًا، تتيح التعاون المشروع وتحد من الفوضى الرقمية العابرة للحدود.
إلى جانب التشريع والتعاون الدولي، يبرز البعد المعرفي القانوني كعنصر لا يقل أهمية في معادلة الأمن السيبراني. فرفع مستوى الوعي القانوني داخل المؤسسات العامة والخاصة، وفهم طبيعة الالتزامات والمسؤوليات المرتبطة بإدارة البيانات والمعلومات، يشكل خط دفاع أساسي ضد المخاطر غير المرئية. كثير من الاختراقات لا تنشأ عن ضعف تقني، بل عن قصور في الفهم القانوني، أو سوء تقدير لحساسية المعلومات، أو غياب ثقافة الامتثال الرقمي.
من هنا، فإن الاستثمار في تشريعات سيبرانية متقدمة، متوازنة، وقابلة للتطور، إلى جانب الانخراط الدولي الواعي، ونشر الثقافة القانونية الرقمية، يمثل استثمارًا مباشرًا في استقرار الدولة واستمرارية مؤسساتها.
التعامل مع الفضاء الرقمي بمنطق استباقي قانوني، لا بمنطق رد الفعل، يعكس نضج الدولة وقدرتها على قراءة طبيعة التهديدات الحديثة.
الأردن اليوم أمام فرصة استراتيجية لتعزيز قدراته في الفضاء الرقمي، عبر قانون قوي، وانفتاح دولي محسوب، وثقافة مؤسسية مدركة لحساسية العصر الرقمي. فالأمن السيبراني لم يعد خيارًا تقنيًا أو ترفًا تشريعيًا، بل أحد أعمدة حماية القرار الوطني واستمرارية الدولة في عالم تتغير فيه أدوات الصراع دون إنذار.
