من أبلغ النصح والإرشاد القرآني في التعامل مع من صاروا «ماركة عالمية» في صفاقتهم وتنمرّهم بلا وجل أو حرج، كلمة لا تقال إلا منصوبة: «سلاما» بالمدّ لا بتنوين الفتح حتى تأخذ مداها! إنما هي الحل الأمثل الشافي الوافي كلما التمسنا العمل بالآية الكريمة «وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما».
وباللغة العربية المحكية، باللهجة المصرية مثلا يعجبني التعليق العتابيّ الساخر: «حافظ مش فاهم»! وذلك البرنامج الاجتماعي الشعبي الميداني الكوميدي اللاذع «أرجوك ما تفتيش!» أبدع من صاغ أو نحت هتين المقولتين في تقديم أكثر الردود سلمية وأمانا على الصحة العامة، إن ابتلانا الله بأولئك الموتورين المتعصبين في انحيازهم وغلوهم إلى حد تعمية الأبصار وصمّ الآذان عن سُنة الخلاف والاختلاف في الحياة، رغم ترديد بعضهم من فوق الحناجر، في مناسبات كثيرة أمام شاشات الفضائيات والألواح الذكية، الحديث الشريف: «اختلاف أمتي رحمة»، أو من يوجّهون خطابات متعددة عبر ناطقين متعددين كلٌ يغرد حسب الدولة المضيفة لذلك التنظيم أو ذاك النظام، فيرطنون بلغات أجنبية تزعم تبنيهم حقوق الإنسان والحيوان والنبات والبيئة!
في المقابل، من أكثر العبارات رواجا حتى صارت مستهلكة «ممجوجة»، رمي الآخرين بعبارة «المعايير المزدوجة». المحرج والمؤسف أن كثيرا من سرديات تلك الفئة، متخمة إلى حد الانتفاخ بسيلان لا انقطاع فيه من تلك المعايير المزدوجة وما هو أخطر منها، ألا وهي المعايير المُلتبَسة حتى نُبقي الباب مفتوحا أو الباب الدوار متاحا، لمحترفي الانعطافات وتدوير الزوايا كلما أتت الرياح بما لا تشتهي سفنهم، جماعة تذكرة الذهاب بلا عودة إلى الاقتراع، وكأن الديمقراطية والمدنيّة والحضارة الإنسانية تُختزل بتصويت أو عدّ لتلك الأصوات، حتى صارت بعض الجماعات أو الأحزاب في بعض الدول، تستجلب المهاجرين غير الشرعيين لاعتبارات «اقتراعية» بحتة!
للأسف، نادرا ما يتعرض الكتاب أو المهتمون بالشأن العام عموما إلى تلك المعايير قبل الحكم عليها بأنها ازدواجية أو انتقائية. من ينشدون راحة الراس بمعنى السلام عبر الحكمة وعدم الانجرار إلى حوارات التنابز بالألقاب وكيل الشتائم والاتهامات، يبررون انكفاءهم بأن «كفى المؤمنين شر القتال»، حتى يصير ذلك الصمت المشين شريكا بالجرائم التي تقترف بحق ما لم يعد مقتصرا على النظم والحكومات، بل الأوطان والمجتمعات والأسر.
ثمة صحوة -عالمية- لمكافحة ومن ثم التعافي مما أحدثته تيارات العولمة واليسار المنحل المختل من تحالف انتهازي وصولي، مع نظم وتنظيمات ليس فيها معيار واحد منسجما مع نصوص القوانين وروحها التي شيدت الحضارة الغربية في جانبها المشرق، أو الشرق العظيم في جوهره الروحي والإنساني المتنوّر.
مع بداية عام جديد، ثمة حاجة لإعادة تعريف المعايير الأصيلة لا المستوردة على نحو انتقائي. تلك مسؤولية المثقفين قبل الأكاديميين، والإعلاميين قبل السياسيين، والتشريعيين والقضائيين قبل التنفيذيين في سلطات الدولة الثلاث.
عبثا نبني ونعلي البنيان ما لم نرجع إلى الجذور. عبثا لا بعث فيه في أي ميدان كان، ما لم يكن إرساء حجر الزاوية في البال، عبر اعتماد لغة المنطق والأخلاق، قبل السعي إلى رفع حجر التمام. كلنا شركاء في حفل الافتتاح، وكذلك في توزيع واستلام جوائز حفل الاختتام، إن صحت المعايير وتم علاج غموض بعضها واختلال بعضها الآخر، قبل التشدق برمي الآخرين، الآخرين فقط، بسُبّة «المعايير المزدوجة»!
علينا أولا بمعاييرنا الملتبسة وكشف المغلوط أو المشوّش منها، وخير ما نبدأ به حياتنا الخاصة، ف «الإصلاح يبدأ بالنفس».. تلك الدعوة المباركة التي أطلقها قبل زهاء نصف قرن، الراحل العظيم سيدنا الحسين طيب الله ثراه وكتب مقامه في عليين.
