تفتح التصريحات المتزامنة الصادرة عن مسؤولين في حكومة الاحتلال ووسائل إعلامه، بالتوازي مع مواقف صادرة عن مسؤولين في ما يسمى “أرض الصومال”، نافذة واسعة على تحولات خطيرة في بنية الأمن الإقليمي في القرن الإفريقي والبحر الأحمر، خاصة وأن الدلالات العميقة للاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال تخرجه من إطاره المغلف بالفعل الدبلوماسي الذي قد يبدو ظاهريا أنه تقليدي، لتكشف عن تحول خطير ومؤشر مباشر لا لبس فيه على انتقال الصراع الجيوسياسي إلى مساحات جديدة تمتد من غزة وصولا إلى باب المندب.
ما يسمى “أرض الصومال” التي أعلنت انفصالها من طرف واحد منذ التسعينيات، تحتل موقعا جغرافيا بالغ الحساسية عبر إطلالها على واحد من أهم شرايين الملاحة العالمية، والذي يمنح أي قوة حاضرة قدرة على التأثير في حركة التجارة والطاقة، ومراقبة الممرات البحرية، والتدخل في معادلات الأمن البحري، وفي هذا السياق يمكن قراءة الاهتمام الإسرائيلي المتنامي بهذه المنطقة باعتباره سعيا منظما لخلق عمق استراتيجي جديد، يعوض محدودية الجغرافيا، ويفتح ساحات نفوذ بعيدة عن مركز الصراع التقليدي.
التصريحات التي نشرتها أمس صحيفة “معاريف” الإسرائيلية حول تعزيز قدرات سلاح الجو ومنحه خيارات أوسع، تكشف بوضوح البعد العسكري الصريح لهذه الخطوة، حيث يتيح القرب الجغرافي من اليمن وإيران للاحتلال مسارات عملياتية واستخبارية أكثر مرونة، سواء في مجال الاستطلاع أو الدعم اللوجستي أو توسيع مدى العمل الجوي، ويمنحه نقاط ارتكاز متقدمة في فضاء شديد الحساسية، كما أن الحديث عن بنية تحتية أمنية أقامها الموساد خلال السنوات الماضية يؤكد أن الاعتراف السياسي يأتي تتويجا لمسار أمني سابق، جرى بناؤه بهدوء وبعيدا عن الأضواء والرقابة الدولية.
محاولات سلطات “أرض الصومال” طمأنة الإقليم عبر نفي إقامة قواعد عسكرية تعكس إدراكا لحجم القلق المحيط بهذه العلاقة، غير أن تجارب المنطقة مع الحضور الإسرائيلي، تحت عناوين التعاون الأمني والتقني، تظهر أن هذا النوع من التطمينات غالبا ما يتآكل مع الوقت، ويتحول إلى واقع نفوذ عسكري واستخباري متشعب يشكل تهديدا إضافيا لأمن دول المنطقة برمتها.
بيد أن خطورة هذه العلاقة تكمن في تداعياتها المباشرة على الأمن العربي والإقليمي وكذلك الإفريقي، خاصة وأن القرن الإفريقي يعيش أصلا حالة تنافس دولي حاد، ودخول الاحتلال إلى هذه الساحة يهدد بمزيد من عسكرة المنطقة، ويعمق خطوط الاستقطاب، ويضعف فرص الاستقرار، ويهدد بتحويل البحر الأحمر -الذي يمثل شريانا حيويا للاقتصاد العالمي وعمقا استراتيجيا للدول العربية- إلى ساحة صراع مفتوحة، وأي اختراق فيها سينعكس على أمنها القومي، واستقرارها الاقتصادي، وقدرتها على حماية مصالحها الحيوية، خاصة وأن هذه الخطوة ونتيجة للأطماع التوسعية لدولة الاحتلال الإسرائيلي ستزيد من احتمالات جعل البحر الأحمر أكثر عرضة للتوتر والتدويل.
أمام هذه المعطيات، تبرز مسؤولية عربية وإفريقية ودولية مضاعفة لقراءة المشهد بوعي استراتيجي، وعدم التعامل مع هذه الخطوة وفق منطق حسن النوايا أو بردود الفعل المؤقتة، وحيث أن ترك هذه التحولات تمر دون مواجهة استراتيجية يعني وجود مساحات فارغة سيمتلكها بالتأكيد من لديه القوة، مما يفتح الباب أمام مزيد من العسكرة والتدويل، بينما الفعل الواعي وحده القادر على حماية المصالح، وصون الاستقرار، ومنع انزلاق المنطقة نحو مزيد من الاشتعال، الأمر يجعل المطلوب بالضرورة وجود تحرك سياسي ودبلوماسي عربي وإقليمي ودولي منسق، يعيد الاعتبار لمفهوم الأمن الجماعي، ويحاصر محاولات تحويل الجغرافيا الهشة إلى ساحات صراع مفتوحة.
