عروبة الإخباري –
لم تعد الدبلوماسية الفلسطينية، في لحظتنا التاريخية الراهنة، تفصيلاً إدارياً يُدار من خلف المكاتب، ولا وظيفة بروتوكولية تُقاس بعدد الولائم الرسمية وصور الاستقبال، بل باتت جبهة متقدمة من جبهات الصراع: صراع على الشرعية، وعلى الوعي، وعلى الرواية، وعلى حقّ الفلسطيني في أن يُعرَّف في العالم بوصفه شعباً يطلب حريته لا “ملفاً إنسانياً” يُدار بالمساعدات. ومن هنا، فإن الكلام عن آليات اختيار سفراء دولة فلسطين لا يُقرأ بوصفه نقاشاً تقنياً حول “شروط التعيين” أو “الهيكل الإداري”، بل بوصفه سؤالاً وطنياً من الدرجة الأولى: أيّ دبلوماسية نريد؟ وأيّ ممثل نُرسل؟ وأيّ معركة نُخاض باسمه في عواصم العالم؟
إن السفير الفلسطيني ليس “موظفاً” بالمعنى البارد للكلمة، ولا “حارس بوابة” يُكتفى منه بختم المعاملات وتسيير الشؤون القنصلية؛ بل هو في جوهره حاملٌ للمعنى الفلسطيني خارج الحدود: معنى الحق، ومعنى العدالة، ومعنى الذاكرة، ومعنى المقاومة السياسية والقانونية والأخلاقية. وهو لذلك أقرب إلى “قائد مهمة” في مسرح دولي شديد التعقيد، تُدار فيه الحروب بلغة ناعمة، وتُصنع فيه الهزائم بصمتٍ أنيق، وتُغتال فيه القضايا عبر التمييع والتأطير وإعادة التعريف. ومن يتعامل مع منصب السفير كترقية وظيفية أو مكافأة حزبية، يُسلم دون أن يدري جزءاً من المعركة إلى الفراغ.
أولاً: الدبلوماسية الفلسطينية بوصفها امتداداً للمشروع الوطني لا ملحقاً له
المعضلة الكبرى ليست في وجود سفارات أو بعثات، بل في سؤال: هل نرى السفارة “امتداداً مباشراً” للبرنامج الوطني أم جزيرة منفصلة عنه؟
عندما تُفصل الدبلوماسية عن المشروع الوطني تتحول السفارات إلى عناوين بريدية: حضورٌ رمزي يستهلك الزمن، ولا ينتج موقفاً، ولا يبني نفوذاً، ولا يراكم أثراً. أما حين تُفهم السفارة كمركز اشتباك سياسي وإعلامي وقانوني وثقافي، فإن كل لقاء، وكل بيان، وكل تحالف، وكل منصة، تصبح ذخيرة في معركة كبرى عنوانها: انتزاع الاعتراف بالحقوق لا التعايش مع انتهاكها.
الدبلوماسية هنا ليست “لغة مهذبة” فحسب؛ إنها هندسة ضغط: تحويل التعاطف إلى موقف، والموقف إلى سياسة، والسياسة إلى أثر ملموس: قرار برلماني، أو دعوى قضائية، أو عقوبات على الاستيطان، أو وقف توريد سلاح، أو اعتراف بدولة، أو حماية لطلابنا وجالياتنا من التمييز والتحريض.
ثانياً: السفير كممثل للرواية لا كناقل للتعليمات
في عالم تُدار فيه السياسة عبر السرديات، لا يكفي أن يكون السفير حافظاً للبيانات، بل يجب أن يكون صانع خطاب ووعي. فالاحتلال لا يكتفي بالقوة العسكرية؛ إنه يبني سردية كاملة: “دفاع عن النفس”، “نزاع”، “طرفان”، “تعقيد”، “حقائق متنازع عليها”… وكل مفردة من هذه المفردات سكين ناعم يجرح الحقيقة دون ضجيج.
السفير الفلسطيني الحقيقي هو من يُحسن تفكيك السردية الخصم وإعادة بناء روايتنا بذكاء وتماسك:
لا يكرر الكلمات، بل يُنتج معنى.
لا يكتفي بالتنديد، بل يُحوّل الوقائع إلى ملفات قانونية وإعلامية.
لا ينتظر الأحداث، بل يصنع مبادرات تستبق موجات التضليل.
وهذا يتطلب شخصية مركبة: سياسي يفهم المصالح، ومثقف يفهم المجتمع المضيف، وقانوني يعرف كيف تُفتح المعارك في المحاكم والمؤسسات، وإعلامي يعرف أن المعركة على الشاشة أحياناً تسبق المعركة في القاعة.
ثالثاً: خلل “الاختيار” حين يصبح الولاء بديلاً عن الكفاءة
لقد أثبتت التجربة، بأشكال متفاوتة، أن بعض محطات التعيين السابقة شابها خلل: تغليب منطق “الترضيـات” أو “الولاء” أو “الأقدمية الشكلية” على منطق القدرة الفعلية. وهذه ليست مشكلة أخلاقية فحسب، بل مشكلة وطنية عملية:
السفارة التي يقودها شخص غير قادر على المبادرة، ستتحول إلى صمتٍ مكلف.
والسفارة التي لا تمتلك شبكة علاقات مؤثرة داخل الدولة المضيفة، ستبقى خارج مسار القرار.
والسفارة التي لا تشتبك مع المجتمع المدني والجامعات والإعلام والنقابات والبرلمانات، ستخسر أخطر ساحات المعركة: الرأي العام.
والأخطر من ذلك: أن الخلل في الاختيار لا يظل شأناً داخلياً؛ بل يرتد على صورة فلسطين نفسها. لأن السفير هو “الوجه” الذي يراه الآخرون، فإن ضعفه يصبح ــ في نظرهم ــ ضعفاً في القضية، وترددُه يصبح تردداً في الرواية، وارتباكُه يصبح ارتباكاً في المشروع الوطني.
رابعاً: ما الذي ينبغي أن يحكم معايير الاختيار والتقييم؟
المطلوب ليس “مثالية” غير واقعية، بل معايير وطنية واضحة قابلة للقياس والمتابعة. وأقترح هنا سلماً من المعايير يضع الدبلوماسية في مكانها الصحيح:
الكفاءة السياسية والفكرية
أن يمتلك المرشح فهماً معمقاً لطبيعة الصراع، وتاريخ القضية، وتحولات النظام الدولي، وطبيعة الدولة المضيفة (اتجاهاتها، أحزابها، إعلامها، لوبياتها، اقتصادها، حساسياتها الثقافية).
التمكن من القانون الدولي وحقوق الإنسان
القضية الفلسطينية اليوم تُخاض بوضوح في ميادين القانون: المحكمة الجنائية الدولية، محكمة العدل الدولية، قوانين حظر الاستيطان، الولاية القضائية العالمية… السفير الذي لا يفهم هذه الأدوات يُفوّت فرصاً ثمينة، ويترك الخصم يحتكر لغة “الشرعية”.
القدرة على بناء شبكات نفوذ وتحالفات
ليس المطلوب علاقات مجاملة، بل شبكة ضغط: برلمانيون، أحزاب، نقابات، جامعات، مؤسسات حقوقية، مؤثرون، صحفيون كبار، قيادات دينية واجتماعية، غرف تجارة… من دون هذه الشبكة تصبح السفارة “جزيرة”.
مهارة الاتصال العام وصناعة الخطاب
في عصر الصورة، البيان وحده لا يكفي. ينبغي أن يمتلك السفير القدرة على مخاطبة الإعلام بذكاء، والظهور بلغة الدولة المضيفة أو على الأقل فهمها، وصياغة رسائل قصيرة قادرة على الانتشار، وتفادي الألغام الخطابية التي يصنعها الخصم.
النزاهة والاستقلالية الأخلاقية
المصداقية رأس مال الدبلوماسي. أي شبهة فساد، أو استغلال موقع، أو ترفٍ منفصل عن وجع الناس، تُحوّل السفارة إلى نقطة ضعف تستخدم ضد القضية. النزاهة ليست ترفاً، بل “حماية للمعركة”.
روح المبادرة لا عقلية ردّ الفعل
المعيار الحاسم: هل يبادر أم ينتظر؟ هل يقود أم يكتفي بالتلقي؟ هل يستطيع تحويل السفارة إلى “مطبخ مبادرات” أم يتركها تتحول إلى “أرشيف مراسلات”؟
خامساً: التقييم والمراجعة… فعل قوة لا فعل تشكيك
فتح ملف التقييم لا ينبغي أن يُفهم بوصفه طعناً بالأشخاص أو انتقاصاً من تاريخ أحد، بل بوصفه سلوكاً مؤسسياً صحياً. الحركات التحررية التي لا تراجع أدواتها تتكلس. والمراجعة ليست إقصاءً، بل تصويب وتجديد: ضخ دماء جديدة، توسيع قاعدة الاختيار، بناء مسارات تدريب وتأهيل، وخلق منافسة وطنية شريفة عنوانها: من يخدم القضية أفضل؟
بل إن وضع آلية تقييم دورية وشفافة هو حماية للدبلوماسي الجيد أيضاً؛ لأنه يخرجه من مزاجية التقدير، ويمنحه معياراً عادلاً للإنجاز، ويُظهر أثره الحقيقي في الميدان.
سادساً: نحو نموذج دبلوماسية مقاومة بالمعنى السياسي والفكري
الدبلوماسية الفلسطينية تقف أمام اختبار حاسم:
إما أن تبقى أسيرة نموذج تقليدي لا يواجه عواصف المرحلة، وإما أن تتحول إلى دبلوماسية مقاومة: لا تحمل البندقية، لكنها تُحسن استخدام أدوات العصر: القانون، الإعلام، الرأي العام، التحالفات، الاقتصاد السياسي، المقاطعة، المنابر الدولية.
الدبلوماسية المقاومة ليست “خطابة عالية” فقط؛ إنها عمل يومي:
رصد خطاب الخصم والرد عليه.
صناعة ملفات ومواد وتوثيق.
تحريك البرلمان والإعلام والمجتمع المدني.
تحويل كل جريمة إلى قضية، وكل قضية إلى حملة، وكل حملة إلى ضغط.
إن اختيار السفراء ليس تفصيلاً إدارياً، بل مرآة لوعينا بمعركتنا. وهو يعكس تصورنا لطبيعة المشروع الوطني: هل هو مشروع حضور رمزي، أم مشروع تحرر فعلي؟ هل نريد سفيراً “يُدار” أم سفيراً “يدير”؟ هل نبحث عن منصب أم عن مهمة؟
في زمن تُختبر فيه فلسطين كل يوم في قاعات السياسة والحقوق والجامعات والإعلام، لا يجوز أن يكون ممثلها الخارجي أقل من مستوى الرواية التي يحملها شعب قدّم ما لا يُحصى من التضحيات. فالدبلوماسية الفلسطينية، إذا أُحسن بناؤها واختيار رجالها ونسائها، تستطيع أن تكون سلاحاً ناعماً يوجع الاحتلال، ويهزم سرديته، ويعيد للعالم تعريف فلسطين كما هي: قضية حرية وعدالة وكرامة، لا حكاية مؤجلة على هامش الأخبار.
