دخلت الاقتصادات العربية عام 2025 في بيئة دولية وإقليمية معقدة، اتسمت بتباطؤ النمو العالمي وتشديد السياسات التجارية في الاقتصادات المتقدمة. هذا السياق فرض ضغوطًا متزايدة على الدول العربية، سواء المصدّرة للنفط أو المستوردة له، وأعاد طرح أسئلة جوهرية حول متانة النماذج الاقتصادية القائمة وقدرتها على الصمود أمام الصدمات.
أولى هذه الضغوط تمثلت في تباطؤ الاقتصاد العالمي. هذا العامل ساهم في تراجع تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر في عدد من الدول، نتيجة ارتفاع المخاطر وتحوّل المستثمرين نحو أسواق أكثر استقرارًا. في المقابل، واجهت الدول ذات الحيز المالي المحدود صعوبة في الموازنة بين ضبط المالية العامة والحفاظ على الإنفاق الاجتماعي.
التضخم شكّل تحديًا إضافيًا، خاصة في الدول المستوردة للغذاء والطاقة. ورغم تراجع معدلات التضخم عالميًا مقارنة بالسنوات السابقة، إلا أن أثره بقي ملموسًا على القوة الشرائية للأسر العربية. هذا الوضع زاد من كلفة الدعم الحكومي، وفرض ضغوطًا على الموازنات العامة، في وقت تسعى فيه الحكومات إلى احتواء العجز والدين العام.
على المستوى الهيكلي، برزت البطالة كأحد أكثر التحديات إلحاحًا. فمعدلات البطالة المرتفعة، خصوصًا بين الشباب والنساء، كشفت عن فجوة واضحة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل. كما أظهرت محدودية قدرة القطاعات الإنتاجية التقليدية على توليد فرص عمل مستدامة، ما أعاد تسليط الضوء على ضعف التنويع الاقتصادي في عدد من الدول العربية.
إلى جانب العوامل الاقتصادية، لعبت التوترات الجيوسياسية في المنطقة دورًا محوريًا في تعقيد المشهد. فقد أثرت هذه التوترات على حركة التجارة والنقل، ورفعت كلفة التأمين والشحن، وأربكت سلاسل التوريد الإقليمية. كما تراجع أداء قطاع السياحة في بعض الدول، نتيجة ارتفاع المخاطر وتردد السياح والأسواق المصدّرة.
الاستثمار كان من أكثر القطاعات تأثرًا بحالة عدم اليقين. فقد فضّل العديد من المستثمرين تأجيل قرارات التوسع أو التحول إلى أسواق بديلة. ورغم استفادة بعض الدول المصدّرة للطاقة من تقلبات أسعار النفط والغاز، إلا أن هذه المكاسب بقيت محدودة الأثر على المدى الطويل، ولم تعوّض الخسائر غير المباشرة الناجمة عن تراجع الاستقرار الإقليمي.
بالمقابل، شهدت العلاقات الاقتصادية العربية مع دول الجوار تطورًا غير متجانس. فقد برزت شراكات جديدة في مجالات الطاقة والربط الكهربائي والنقل، خاصة مع تركيا ودول شرق المتوسط وبعض الاقتصادات الآسيوية. هذا التوجه عكس سعي الدول العربية إلى تنويع شركائها التجاريين وتقليل الاعتماد على أسواق تقليدية، في ظل التحولات الجيوسياسية العالمية.
مع ذلك، اصطدم هذا المسار بجملة من العوائق، أبرزها التوترات السياسية، والعقوبات الاقتصادية، وضعف البنية التحتية العابرة للحدود. هذه العوامل حدّت من القدرة على تعظيم الاستفادة من الفرص المتاحة، رغم الإمكانات الكبيرة لتعزيز التكامل في مجالات الطاقة وسلاسل التوريد والخدمات اللوجستية.
أما على صعيد العلاقات الاقتصادية العربية البينية، فما زالت دون المستوى المأمول. فالتجارة البينية لا تزال تشكل نسبة محدودة من إجمالي التجارة العربية، مقارنة بتجارب تكتلات اقتصادية أخرى. ويعود ذلك إلى تعدد العوائق غير الجمركية، وتباين السياسات الاقتصادية، وضعف التنسيق في المجالات الصناعية والتجارية.
ورغم إطلاق مبادرات عربية مشتركة في مجالات الأمن الغذائي والطاقة والاستثمار، إلا أن أثرها بقي محدودًا على أرض الواقع. فغياب الإرادة السياسية الموحدة، وتفاوت الأولويات الوطنية، وضعف الربط اللوجستي، كلها عوامل أعاقت بناء سوق عربية أكثر تكاملًا وفاعلية.
لقد عكس عام 2025 حجم التحديات التي تواجه الاقتصادات العربية، لكنه كشف في الوقت نفسه عن فرص مؤجلة. تجاوز هذه التحديات يتطلب إصلاحات هيكلية أعمق، وتنويعًا حقيقيًا للاقتصادات، وتعزيزًا للتكامل العربي والإقليمي. دون ذلك، ستبقى الاقتصادات العربية عرضة للصدمات الخارجية، وأسيرة لدورات عدم اليقين، في عالم يتغير بوتيرة متسارعة.
