عروبة الإخباري –
الفصل الأول: صوت يعلو في زمن الضجيج
في زمنٍ تتكاثر فيه الأصوات، وتغدو المعلومات ركامًا يصعب فرزه، ويقلّ فيه حضور المشاريع الفكرية المتماسكة، يظلّ اسم الدكتورة الإعلامية ليليان قربان عقل حاضرًا كعلامة ثقافية راسخة، حضورها لا يُقاس بحجم الظهور الإعلامي اللحظي، بل بعمق مشروعها المعرفي الطويل النفس، المتجذّر في البحث العلمي، والمشحون بروح المساءلة النقدية، والمنحاز بقوة إلى الحقيقة والكلمة، بوصفها أداتين للوعي، وسلاحين ضد التزييف، وحراسًا للذاكرة.
الدكتورة الكاتبة الإعلامية، ليليان قربان عقل، تمثل في هذا المشهد نموذج المثقف المسؤول: لا يكتفي برصد الحدث أو توثيق المعرفة، بل يشتبك مع الواقع، ويعيد تشكيل الأسئلة الكبرى، ويقدّم للوعي الجماعي قراءة صادقة ومعمقة للمشهد الاجتماعي والسياسي والثقافي. هي ليست صوتًا عابرًا، بل إيقاع ثابت يكتب وعي الأمة ويعيد ترتيب أدواتها الفكرية.
الفصل الثاني: مربّية وعي ومفكّرة إعلامية
د. ليليان، هي مربّية وعي، ترى في الجامعة مختبرًا لصياغة العقل النقدي الحر، لا قاعة لتلقين المعلومات الجاهزة. وهي ليست صحفية تلاحق الحدث لحظيًا، بل مفكّرة إعلامية تغوص في جذور الخطاب، تكشف أبعاده الخفية، وتقرأ أثره على الرأي العام والوعي الجمعي.
بصفتها كاتبة وباحثة، فقد نجحت في ترسيخ موقع رصين لها في المشهد الثقافي اللبناني والعربي، عبر مؤلفات تجمع بين الصرامة الأكاديمية، والبعد الإنساني، والالتزام الثقافي الواعي، مقدمة إسهامًا معرفيًا متكاملًا يربط بين الإعلام والتاريخ، بين المرأة والهوية، وبين الذاكرة والراهن السياسي والاجتماعي.
الفصل الثالث: مشروع لا يكتفي بالوصف… بل يُنتج المعنى
ما يميز مسارها هو هذا الوعي العميق بأن الثقافة ليست ترفًا فكريًا، ولا زينة لغوية، بل شرط من شروط البقاء، وأداة مقاومة ضد النسيان والسطحية الفكرية. فهي تكتب حيث يكون السؤال محفوفًا بالمخاطر، وتبحث حيث يكون الصمت أكثر راحة، وتصر على أن المعرفة إن لم تُستخدم لكشف الخلل وتفكيك الزيف، تفقد جوهرها ووظيفتها.

#image_title
ففي كتابها «مغتربة في وطني»، تضع الكاتبة يدها على جرح لبناني وعربي مفتوح، مقدمة قراءة مؤلمة وصادقة لمعنى الاغتراب الداخلي، حين يشعر الإنسان بأن وطنه لم يعد يعترف به، أو لم يعد يشبهه، هنا، لا نقرأ نصًا عاطفيًا عابرًا، بل تأملًا ثقافيًا عميقًا في هشاشة الهوية، وانكسار العلاقة بين الإنسان والمكان في زمن الأزمات المتلاحقة. هذا الكتاب يشكل مرآة ناطقة للوجع الجمعي، ويحوله إلى مادة للوعي النقدي.

#image_title
أما كتابها «المرأة في النهضة العربية المعاصرة: رائدات من لبنان والمشرق»، فهو وثيقة استعادة للنساء في التاريخ الثقافي العربي. من خلال توثيق وتحليل دقيق، تعيد ليليان قربان عقل الاعتبار لدور المرأة في النهضة الفكرية والثقافية، وتصحح سردية تاريخية طالما همّشت الرائدات. هذا الكتاب لا يقتصر على سد فجوة معرفية، بل يفتح أفقًا جديدًا لإعادة قراءة التاريخ الثقافي العربي من منظور العدالة والمساواة.
الفصل الرابع: الإعلام بين الذاكرة والمساءلة
في عملها الأكاديمي «لبنان الكبير في الصحافة المهجرية (1908 – 1936)»، تؤكد ليليان قربان عقل مكانتها كباحثة رصينة في تاريخ الإعلام.

#image_title
يتجاوز هذا الكتاب كونه دراسة أرشيفية ليصبح قراءة معمقة في تشكّل الوعي الوطني اللبناني، حيث لعبت الصحافة المهجرية دورًا محوريًا في النقاش حول الهوية والانتماء وشكل الدولة. يوضح العمل كيف كانت الكلمة في المنفى أكثر حرية، وأكثر جرأة، وأكثر قدرة على صياغة الأفكار الكبرى خارج قيود الداخل، لتصبح أدوات الإعلام ذاكرة وطنية وحارسًا للوعي الجمعي.

#image_title
وفي كتابها «التضليل الإعلامي في الشغور الرئاسي اللبناني»، تنتقل الباحثة إلى المشهد المعاصر، كاشفةً آليات التضليل والتلاعب بالرأي العام في واحدة من أكثر المراحل السياسية حساسية في لبنان. الكتاب ليس تشخيصًا للخطأ فحسب، بل تحليلًا نقديًا معمقًا يسلط الضوء على العلاقة بين الإعلام والسلطة، ومسؤولية الكلمة في لحظات الفراغ الوطني.
الفصل الخامس: إشادة بمثقفة مسؤولة
إن الإشادة بالدكتورة ليليان قربان عقل ليست مجرد احتفاء بشخص، بل تكريم لنموذج ثقافي نادر: مثقف مسؤول يرى في المعرفة التزامًا أخلاقيًا، وفي الإعلام أمانة عامة، وفي الكتابة فعلًا أخلاقيًا يتجاوز الإنجاز الفردي.
لقد استطاعت عبر مسيرتها الأكاديمية والصحفية والبحثية أن تبني خطابًا فكريًا متماسكًا يجمع بين التاريخ والراهن، بين النقد والتحليل، وبين العقل والقيم. هي إضافة نوعية حقيقية للمشهد الثقافي اللبناني والعربي، وصوت يعيد الثقة بدور المثقف في زمن الالتباس والتشويش، ونموذجًا حيًا يثبت أن الكلمة حين تُكتب بصدق ووعي ومسؤولية، ما زالت قادرة على أن تكون قوة تغيير، وحارسًا للذاكرة، وبوصلة للوعي.
الفصل السادس: مشروع مستمر… وقوة تأثير مستمرة
مسار الدكتورة ليليان قربان عقل ليس مرحلة أو محطة عابرة، بل رحلة معرفية مستمرة، مشبعة بالبحث والتحليل والنقد، متجذرة في التزام ثقافي وأخلاقي. كتاباتها وأبحاثها ومبادراتها التعليمية والإعلامية تضعها في صدارة صانعي الفكر والثقافة في لبنان والعالم العربي، وتؤكد أن المثقف الحقيقي هو من يكتب الوعي، ويصون الحقيقة، ولا يساوم على دوره أو على رسالته.
إنها كتابة لا تُهادن، وبحث لا يساوم، ومسار معرفي أسطوري يستحق كل تقدير وإشادة، لأنه يبرهن أن الكلمة، حين تُمارس بوعي ومسؤولية، تستطيع أن تشعل الفكر، وتحرر الوعي، وتعيد تشكيل الثقافة، وتبني جسور المعرفة بين الماضي والحاضر والمستقبل.
