كتب سلطان الحطاب
رحل من قالت عنه الفنانة المميزة، دلال أبو منة، “إنه من أعظم من انجبتهم هذه الأرض”. وخاطبته بعد رحيله، “نلتقي يوماً ما خلص الكلام يا محمد”.
إنه الممثل والمخرج الفلسطيني البارز ابن قرية البعنه في الجليل الأعلى، خلف الخط الأخضر، المولود عام 1953، والذي درس الأدب العربي والتمثيل في جامعة تل ابيب، وبدأ من مسارح حيفا ومسرح القصبة في رام الله، وكانت كل أعماله تصب في تناول القضية الفلسطينية وهموم الشعب الفلسطيني، واعادة تمثيل مأساة منذ عام 1948، ومن أبرز أعماله فيلم (جنين جنين) الوثائقي، حيث وثق معركة جنين عام 2002، وأبرز صورة المقاومة في وجه الاحتلال.
وله مجموعة افلام نالت جوائز عالمية بينها “المتشائل” “وكل ما تبقى منك، “والجسد، “وجيرافارا، وقد كان أفضل من مثل شخصية العربي في فلسطين.
حصل على جائزة “أسد المستقبل” في مهرجان فينيسا السينمائي، عن “اللي باقي منكم”، وهو عن معاناة عائلة فلسطينية على مدى 76 سنة، وقد رشح النقاد الفيلم للأوسكار، ونال بكري جائزة من برلين وهي جائزة “دلوكارنو”، وجائزة النقاد العرب.
وحياة محمد بكري حافلة بالعمل والتكريم والجوائز العالمية للأدوار التي لعبها وأخرجها، قال عنه المخرج المصري المعروف، يسري نصر الله، “إن رحيل بكري خسارة كبيرة للفن الفلسطيني والعربي”، وفي مهرجان “الجونة “المصري، صدر بيان نعيه تحت عنوان، “الفن الصادق لا يموت”، وقال عنه الفنان كامل الباشا، “إن بكري تعامل مع الفن كرسالة وليس كحرفة،” وقد كرمه مهرجان القاهرة، كما كرمته بيونس ايرس في مهرجانها السينمائي، وجاء في التكريم “أن بكري دفع ثمن مواقفه شجاعة وعزله وملاحقته من الاحتلال، لم يتراجع يوماً عن قناعته، وبرحيله تفقد الثقافة العربية والفلسطينية أحد أهم رموزها.”
قالت الفنانة الكبيرة دلال أبو امنة، أنها تحدثت معه قبل أسبوع من رحيله، وكان الاتصال منه ليطمئن عليها، وقالت إنها بخير، تؤدي رسالتها في الترويج للفن الفلسطيني حيث غادرت عيادتها كطبيبة متخصصة في الاعصاب والدماغ للقيام بهذه المهمة وانها ستبقى بسبع أرواح،
ورد عليها بالمثل انه سيظل بسبع أرواح حتى يكمل عمله الأخير لنيل الأوسكار، “نعم الفن الصادق لا يموت “حتى وان رحل أصحابه.
ألم يقل توفيق زياد في قصيدته “هنا باقون” – الناصرة، يخاطب سجانه، “كأننا عشرون مستحيل في اللد والرملة والجليل ‘هنا، على صدركم باقون كالجدار، وفي حلوقكم كقطعة الزجاج، كالغبار في عيونكم زوبعة من نار، نجوع، نعرى، نتحدى، ننشد الأشعار، ونملأ الشوارع بالغضب بالمظاهرات ونملأ السجون كبرياء، ونضع الأطفال جيلاً ثائراً كأننا عشرون مستحيل”.
نعم الفن يعيد صياغة الحياة بشكل أفضل كما قال “آرنست فشر” الكاتب النمساوي الحائز على نوبل، وهو صحفي أيضاً، وكتب بعنوان “الفن كخلاص من ثقل العالم وعبء الوجود وضرورة الفن، ويرى أنه لغاية وليس من أجل الفن فقط، ولذا فإن عنده ضرورة أسماها ضرورة الفن، في كتابه الشهير، وهو من أهم الكتب التي تتناول تاريخ الفن.
والفن عند أصحاب القضية وسيلة مثلى للمقاومة ورفع الظلم وتغيير العالم والاصرار على الحرية، ألم يقل محمود درويش يصف الحال في النكبة وعدم اليأس ، “أكل الثعلب في برجي حمامة، سوف ارثيها، وساحمي البرج، ولست استعجل ميلاد القيامة، وقصيدة سميح القاسم، “منتصب القامة أمشي”، مرفوع الهامة أمشي، في كفي قصفة زيتون وعلى كتفي نعشي، وانا أمشي وأنا أمشي،
والراحل سميح القاسم مولود في عام 1939، في مدينة الزرقاء، حيث والده كان ضابطا في قوات الحدود ثم عاد الى بلدته الأصلية الرامة، وهو من الطائفة الدرزية الكريمة وظل طوال عمره يحن للزرقاء وزارها لانها مسقط راسه، وظل في فلسطين ناشطاً سياسيا ومقاوماً بشعره الملتزم،
وفي السياق نفسه كانت الشاعرة الراحلة فدوى طوقان توظف شعرها وفنها لدفع الظلم وطلب الحرية، وقد قالت في معاناتها على جسر الأردن وهي تعبره الى نابلس مسقط راسها رأسها (وأخوها هو الشاعر الكبير ابراهيم طوقان كاتب النشيد الوطني الفلسطيني. (موطني ) وقد كتبت فدوى عن معاناتها وشعبها من الاحتلال على نقاط العبور في الجسر، (وقفت في الجسر استجدي العبور، اه استجدي العبور، اختناقي, نفسي المقطوع محمول على وهج الظهير ما الذي قص جناح الوقت من كسح اقدام الظهيرة،
وقد بقي انتظارها تحت الشمس لسبع ساعات دون عبور، في عقوبة جماعية، إنه الفن الذي يربطنا بالحياة في نعيمها وبؤسها ليجدد ويخفف ويغير، ويبشر بالنصر لقد كان الراحل اول امس محمد بكري من ألمع سدنته..
