ما يجري في لبنان ليس أزمة مالية بالمعنى التقني، بل أكبر عملية مصادرة منظّمة للملكية الخاصة في تاريخ البلاد الحديث. والفجوة المالية ليست سوى التسمية المهذّبة لجريمة واضحة المعالم:
خصخصة الأرباح، وتعميم الخسائر، وتبرئة الجناة بقوة القانون.
أولًا: الهروب إلى الأمام بدل المواجهة
منذ اليوم الأول للانهيار، اختارت السلطة السياسية والمالية طريقًا واحدًا:
الهروب إلى الأمام.
بدل تسمية المشكلة الحقيقية، جرى:
اختراع مصطلحات
تعويم مفاهيم تقنية
تدوير الزوايا
نقل النقاش من “من سرق؟” إلى “كيف نوزّع الخسارة؟”
وهكذا، أُدخل “الخنزير” إلى البيت، ثم طُلب من الناس أن يفرحوا عندما طُمست القذارة وخفّت الرائحة.
ثانيًا: المشكلة الحقيقية التي يُمنع الاقتراب منها
الأزمة ليست:
نقص سيولة
ولا صدمة خارجية
ولا سوء حظ
الأزمة هي:
مصارف خالفت القوانين بوعي كامل
مصرف مركزي أدار هندسات مالية مضلِّلة
سلطة سياسية غضّت النظر وشاركت بالصمت
تحويل أموال إلى الخارج بعد بدء الانهيار
هذه ليست رواية سياسية، بل وقائع موثّقة في:
تقارير صندوق النقد الدولي
تقارير دولية عن التدفقات المالية
ملفات قضائية محلية وخارجية
ثالثًا: كيف جنت المصارف المليارات قبل الانهيار؟
بين 2016 و2019:
حققت المصارف أرباحًا استثنائية من الهندسات المالية
وُزّعت أرباح نقدية ضخمة
سُدّدت ديون خارجية
حُوّلت رساميل كبار المساهمين إلى الخارج
كل ذلك:
من أموال المودعين
من دون أي تحذير
ومن دون أي احتياطي حقيقي
رابعًا: اللولار… أداة سطو مقنّعة
بعد الانهيار، لم تعترف المصارف بالخسارة، بل:
فرضت “اللولار” قسرًا
خفّضت قيمة الوديعة فعليًا بين 80% و90%
راكمت أرباحًا إضافية من فروقات الصرف، وتحولت إلى جماعة صرافين تمتهن السرقة والمضاربة.
فالمودع:
أُجبر على سحب جزء من دولاراته بسعر وهمي لليرة.
فخسر قدرته الشرائية
خسر ضمان الشيخوخة
خسر حقه القانوني
هذه ليست إدارة أزمة،
هذا اقتطاع قسري بلا قانون.
خامسًا: خسائر المودع… الجريمة الصامتة
المودع اللبناني:
خسر جنى عمره
خسر تعليم أولاده
خسر علاجه
خسر ثقته بالدولة والنظام
والأخطر:
خسر حقه في اللجوء الفوري إلى العدالة
جرى تخديره بشعارات “الواقعية” و”أفضل الممكن”
سادسًا: الفجوة المالية ليست حلًا بل تهريبًا للمسؤولية
ما يُسمّى قانون الفجوة المالية:
لا يبدأ بالمحاسبة
لا يُجبر المصارف على تحمّل الخسائر
لا يستعيد الأرباح غير المشروعة
لا يعيد الأموال المهرّبة
هو قانون:
ينظّم الألم
ويؤجّل العدالة
ويُقنّن الظلم
سابعًا: المقاضاة ليست خيارًا… بل واجب
أي حل لا يتضمّن:
مقاضاة المصارف
ملاحقة مجالس إداراتها
رفع السرية المصرفية عن المسؤولين
استرداد التحويلات المشبوهة
تحميل المساهمين الخسائر قبل المودعين
هو حل زائف،
وشريك في الجريمة.
القضاء ليس ترفًا،
بل المدخل الإجباري لأي إصلاح.
ثامنًا: لعبة الخنزير… الخداع المتعمّد
إدخال الفجوة المالية إلى النقاش يشبه:
إدخال الخنزير إلى البيت
خلق فوضى جديدة
ثم محاولة طمس واخفاء القذارة والادّعاء لاحقًا أن الوضع “تحسّن”
لكن الحقيقة:
البيت ما زال مكسورًا
الأساس فاسد والقذارة موجودة
والسبب الحقيقي الذي خلق الفوضى لم يعالج ولم يحاسب احد.
خلاصة قاسية
لا عدالة من دون محاسبة.
لا إصلاح من دون مقاضاة.
لا ثقة من دون استرداد الحقوق.
وكل قانون:
لا يبدأ من المصارف
ولا يضع المودع في موقع الضحية لا المتهم
ولا يفرض القضاء كمسار إلزامي
هو قانون حماية للنظام المنهار، لا إنقاذاً للناس
