في زمنٍ تباعدت فيه المسافات بين القلوب وإن تقاربت البيوت، باتت الجيرة عند كثيرين عنوانًا باهتًا لا يتجاوز المجاملة العابرة. غير أن القيم الأصيلة لا تموت، بل تنكمش انتظارًا لمن يُعيد إحياءها فعلًا لا ادعاءً. فالجيرة، في معناها الأعمق، ليست اشتراكًا في المكان فحسب، بل مشاركة في الهمّ، وحضورًا صادقًا ساعة الحاجة.
ومن رحم هذه الحكمة الإنسانية الخالدة وُلد المثل الشعبي: «جارك القريب ولا أخوك البعيد»، ليؤكد أن القرب الحقيقي لا تصنعه الأنساب وحدها، بل تصوغه المواقف، وتثبته النخوة، ويمنحه الزمن شرعية البقاء. وهذا النص شهادة حيّة على ذلك المعنى، وتجربة شخصية تُعيد للمثل روحه، وللجيرة مقامها.
فالجيرة ليست في عرف الرجال تلاصق بيوت أو تشارك أسوار، بل هي ميثاق أخلاقي غير مكتوب، تُصاغ بنوده بالمواقف، وتُوقَّع صفحاته بالنخوة، ويُصدّق عليه بالفعل قبل القول. وقد علّمتنا الحياة، كما علّمت من سبقونا، أن القرب الحقيقي لا تقيسه خرائط المكان، بل تكتبه لحظات الصدق، وتُثبته ساعة الشدّة.
جاري الوجيه، المصلح، القامة السامقة، السنديانة التي تضرب جذورها عميقًا في الأرض، فلا تزعزعها الرياح ولا تُغريها العواصف. رجل لا يحتاج إلى ألقاب تُعرّفه، ولا إلى ضجيج يُعلن حضوره؛ يكفيه أن يكون حيث يجب، وقتما يجب. لم أعرف من هو مثله، ولم تُتح لي الحياة كثيرًا نماذج تُجسّد معنى الجيرة كما جسّده هو، ببساطة الكبار ووقار الرجال.
قبل أكثر من عشر سنوات من سكني بالقرب منه، لم أكن أعلم أن الله يخبئ لي درسًا حيًّا في الأخلاق، ولا أن القرب المكاني قد يتحوّل إلى سند إنساني متين. ومع مرور الوقت، بدأت تتكشف معادن الرجال، فليس العمر وحده من يكشفهم، بل المواقف الصغيرة التي تمرّ على كثيرين مرور الكرام، لكنها عند أصحاب القلوب الحيّة تصنع الفارق.
أذكر ذات يوم، وبعد فترة من السكن، أنني خرجت وزوجتي وابنتي إلى الطبيب إثر عارض صحي أصاب زوجتي. لم تكن المسافة بعيدة؛ دقائق معدودة لا تتجاوز العشرة، لكنها كانت كافية لأن تُخلّد موقفًا لا يُنسى. وبعد أن أنهينا الزيارة وعدنا إلى البيت، وجدته — جمال الفقيه، أبو الرائد — جالسًا عند طيب الذكر، الجار والأخ العزيز أبو صبري.
ما إن رآني حتى بادرني بعتبٍ راقٍ، ممزوجٍ بنخوة صافية، دون مقدمات أو تكلّف، وقال: «ليش ما تحكي؟ السيارات موجودة.»
كلمات قليلة، لكنها كانت أثقل من الخطب، وأبلغ من الشروحات. لم يكن في قوله لوم، بل حرص، ولم يكن عتبًا جارحًا، بل إحساسًا بالمسؤولية. في تلك اللحظة أدركت أنني أمام رجل غير عادي، رجل يرى في الجار أهلًا، وفي السؤال واجبًا، وفي المبادرة شرفًا لا يُؤجَّل.
مرّت الأيام، وتعاقبت السنوات، ولم يكن ذلك الموقف استثناءً أو حادثة عابرة، بل كان عنوانًا دائمًا لشخصيته، في كل مرة، كان يسبق بالسؤال، ويُصرّ على المبادرة، ويقف سندًا دون انتظار مقابل أو شكر، يفعل ذلك بعفوية من تربّى على أن المعروف لا يُعلن، وأن الشهامة لا تُستجدى، وأن الرجولة الحقيقية تُقاس في التفاصيل الصغيرة قبل المواقف الكبيرة.
ولم يقتصر هذا الخلق عليه وحده؛ فهكذا تكون البيوت الأصيلة، أولاده وأحفاده امتداد طبيعي لتلك القامة السامقة، يستقبلونني بالود، ويقابلونني بالطيب، وتسبقهم النخوة التي عزّ نظيرها في هذا الزمن. كأن القيم عندهم ميراث محفوظ، ينتقل كما تنتقل الأسماء، وكأن الأخلاق تسري فيهم سريان الدم.
هنا يتجلّى المعنى الحقيقي للمثل: «جارك القريب ولا أخوك البعيد». فالأخ، مهما علت مكانته، قد تُباعده المسافات وتشغله الظروف، أما الجار الصالح فهو حاضر في اليوميّات، شاهد على التفاصيل، سريع الاستجابة عند الحاجة، لا ينتظر طلبًا ولا يفرض فضلًا. هو السند الصامت، والظهر الذي يُتّكأ عليه، والعين الساهرة حين يغفل الآخرون.
إن الحديث عن الجيرة ليس حنينًا إلى زمن مضى، بل تذكير بأن القيم لا تزال حيّة ما دام هناك رجال يُجسّدونها واقعًا. فطوبى لجيرةٍ تُبنى على المروءة، وطوبى لرجالٍ يؤمنون أن الإصلاح مسؤولية، وأن النخوة دين، وأن الجار قد يكون — في كثير من الأحيان — أخًا لم تلده الأم، لكن ولدته المواقف.
ولعلّ في قول رسول الله ﷺ: «الخير فيّ وفي أمتي إلى يوم الدين» أبلغ جواب على كل من يظن أن القيم قد اندثرت، أو أن النخوة أصبحت من حكايات الماضي. فالخير باقٍ ما بقي في هذه الأمة رجالٌ يُجسّدونه سلوكًا، لا شعارًا، ويحيونه مواقف، لا ادّعاءً.
وهذا الجار، وأمثاله من أصحاب القلوب الحيّة، شاهد حيّ على صدق النبوّة، ودليل ساطع على أن المروءة لا تزال تنبض في تفاصيل الحياة اليومية، في السؤال الصادق، والمبادرة النبيلة، والوقوف الصامت وقت الحاجة. فما دام في الناس من يرى الجيرة أمانة، والإنسان أخًا، والمعروف واجبًا، فإن الخير لن ينقطع، وسيبقى حاضرًا إلى يوم الدين.
