عروبة الإخباري –
في زمنٍ تحوّل فيه الضجيج إلى هواء يومي، وصارت السرعة مقياس القيمة، خرج نص الإعلامية حنان مبروك كصرخة وعي هادئة، لا ترفع صوتها لكنها تصيب الهدف، ولم يكن ما كتبته مقالًا يُضاف إلى أرشيف الصحافة، بل فعل يقظة نادر، يعيد الاعتبار للصمت بوصفه قوة، وللتأمل باعتباره أصلًا من أصول الوجود الإنساني.
من السطر الأول، يضع النص قارئه أمام سؤال وجودي لا مهرب منه: ماذا بقي منك تحت هذا الركام من التشتيت؟ هكذا، بلا ضجيج ولا استعراض، تستعيد حنان مبروك دور الكلمة حين تكون موقفًا، وتثبت أن الكتابة الحقيقية لا تُسلي… بل تُوقظ.
ما كتبته الإعلامية حنان مبروك، ليس مقالًا، وليس رأيًا، وليس مادة صحفية تُستهلك ثم تُطوى؛ ما كتبته هو حدث وعي. هو اشتعال هادئ في قلب لغةٍ أنهكها التكرار، وضربة يقظة مباشرة في جبهة زمنٍ مخدَّر بالضجيج، مستسلم لسطحية السرعة، فاقد لشرف الصمت، ههو نص لا يُقرأ بالعين وحدها، بل يُتلقّى بالوجدان، ويُفهم فقط من أولئك الذين لم تُطفأ في داخلهم نار السؤال بعد.
حنان مبروك لا تكتب عن التأمل كموضوع، بل تستحضره كأصلٍ إنسانيٍّ أول. تنتزعه من أيدي السوق، من الابتذال المُعلّب، من قاعات التنمية الزائفة وشعاراتها الفارغة، وتعيده إلى مكانه الطبيعي: لحظة الوعي الأولى، اللحظة التي وقف فيها الإنسان عاريًا أمام نفسه، قبل أن تُربكه المرايا، وقبل أن تسرق انتباهه الشاشات. هذه ليست كتابة وصفية، بل عملية استرداد كبرى لمعنى مخطوف.
قوة هذا النص لا تكمن في كمّ ما يقول، بل في ما يفعله بالقارئ. هو نص يضعك في قفص الاتهام دون صراخ، ثم يفتح لك باب الخلاص دون ادّعاء. يجعلك تشعر بأنك معني، مكشوف، مسؤول، ثم يمنحك فرصة نادرة: أن تعود إلى نفسك بلا وسطاء. هذه قدرة لا يمتلكها إلا نص كُتب من منطقة صدق خالص.
بذكاء فكري حاد، وبحسّ حضاري عميق، تشق حنان مبروك طريقها عبر الزمن: من الإنسان الأول وهو يتأمل السماء، إلى الحضارات التي جعلت من الصمت معرفة، إلى الأنبياء الذين كانت خلواتهم قمم الوعي الإنساني، ثم تقذف بالقارئ فجأة في قلب إنسان العصر الحديث؛ مفرغ، مشتت، مُنهك بالدوبامين السريع، يتأمل التفاهة ويغفل عن الوجود. هذا الانتقال ليس سردًا، بل محاكمة حضارية كاملة صيغت بلغة هادئة ومخيفة في آن واحد.
لغة النص نفسها كائن حي؛ تلسع حين يجب أن تلسع، تسخر بذكاء حين يستدعي كشف الزيف سخرية، وتخشع حين يلامس المعنى تخوم الروح.
لا جملة فائضة، ولا استعارة مستهلكة، ولا فكرة بلا جذور. كل كلمة موضوعة بوعي من يعرف أن اللغة مسؤولية، لا زينة.
أما الفكرة المركزية — أن الإنسان الذي لا يتأمل يفقد علاقته بنفسه، ثم يفقد مكانه في العالم — فهي ليست أطروحة فكرية، بل حقيقة وجودية صارخة، كُتبت بشجاعة من لا يساوم على المعنى، ولا يطلب رضا القارئ السريع.
هذا النص لا يُمرَّر، لا يُستهلك، ولا يُنسى، إنه نص يبقى واقفًا، مثل شاهد على زمنٍ كاد ينسى نفسه، فجاءت حنان مبروك لتذكّره.
تحية لكاتبة لم تستخدم الكلمة لتجميل الواقع، بل لاختراقه.
تحية لحنان مبروك، حين تصبح الكتابة فعل مقاومة، والفكرة نار وعي، والصحافة… خلوة كبرى في وجه الضجيج.
