الإنتاج أطاح بموهبة “منى زكى” واكتفى بتحويلها إلى “روبوت” للشخصية
رؤية نقدية بقلم :عبير العربي –
لم تكن أم كلثوم مجرد صوت استثنائي في تاريخ الغناء العربي، بل كانت مشروعًا ثقافيًا كاملًا، وصوتًا وطنيًا تشكّلت على نبراته الذاكرة المصرية والعربية لعقود، من هنا، فإن الاقتراب منها فنيًا ليس ترفًا بصريًا ولا اختبارًا للقدرات التمثيلية، ولا انتاجا ضخم دون جدوى، بل مسؤولية إبداعية وأخلاقية، فيلم «الست»، رغم ضخامته الإنتاجية ومحاولاته الشكلية، أخفق في منح “أم كلثوم” ما تستحقه من عمق ورؤية، فاختزل الأسطورة في ملامح ومكياج، وفضّل السرد السطحى على الغوص الحقيقي في روح الشخصية، فجاء العمل أقرب إلى إعادة تمثيل محسوبة لسيرة معروفة، منه إلى قراءة فنية جريئة تكشف جوهر المرأة التي صنعت مجدها بوعي وصلابة وذكاء استثنائي، فغابت أم كلثوم الإنسانة، المطربة العملاقة ، وحضرت “الست”كصورة- مؤطرة – بلا نبض، وبلا مساءلة حقيقية لتاريخها وتأثيرها، وبلغة بسيطة نستطيع القول أن كل من حضر أمام شاشات العرض ليشاهد”الست ” ربما لم يرها إلا رمزا، لتغيب “الكوكب” عن الفيلم الذي صنع ل”أجلها” .
“محاولة باهتة لإنتاج سيرة الكوكب”.
من هنا، لا يُطرح فيلم “الست” بوصفه مجرد عمل عن حياة مطربة عظيمة، بل جاء كمحاولة باهتة لإعادة إنتاج سيرة “أم كلثوم” ، محاولة تضعنا أمام سؤال جوهري، لماذا أكتفى الفيلم بعرض صورة رمزية عن ما نعرفه وترك ما لا نعرفه؟ رغم الثراء الإنساني والسياسي والاجتماعي والثقافي التي حظيت به هذه الشخصية، كما أن الفيلم مر مرورا باردا باهتا على رهان “الست” على ذاتها واصرارها على إثبات نفسها كإمراءة في خوض إنتخابات المهن الموسيقية، ورغبتها في الترشح للبرلمان.
وثائقي أكثر منه درامي”
في الفيلم جاء السرد أقرب إلى التوثيق منه إلى الدراما، عرض للوقائع دون تفكيك دوافعها، ومرور على المحطات المعروفة دون مساءلة أثرها النفسي، أداء ملحوظ الصمت، بينما أم كلثوم في الواقع كانت كائنًا في حالة تشكّل دائم، دفعت ثمن كل خطوة نحو القمّة.
على مستوى الأداء، وقع الفيلم في مأزق واضح، فهو قد صنع محاكاة الشكل عن تمثيل المعنى، فقد نجح في استدعاء صورة أم كلثوم عبر المكياج والملابس والتقارب البصري، لكنه لم ينجح بالقدر نفسه في استمرارها في استحضار قلقها الداخلي، ذلك القلق الذي كان يجب أن يتنقّل بين الحزن والتجاوز، وبين الخوف والثبات، فنجد أن الأداء قدّم الجسد الأيقوني لا الوعي المتوتّر، قدم الصمت الثقيل لا الصوت المعروف الذي يسبق الغناء ويتلوه، ليغيب الاجتهاد الحقيقي في بناء الداخل النفسي للشخصية، ويصبح التمثيل أقرب إلى إعادة إنتاج صورة محفوظة منه إلى نقلة إبداعية تفتح مناطق تقريبية أكثر بين المشاهد و”الست”.
“منى زكي وصناعة الشكل بعيدا عن إبداع الأداء “.
منى زكي لم تجتهد تمثيليًا بقدر ما ارتدت قالب أم كلثوم، ما شاهدناه على الشاشة كان «صناعة شكل» لا «خلق شخصية»، الماكياج نجح في استحضار الوجه، والملابس أعادت تكوين الهيئة، لكن الأداء ظل حبيس التقليد الخارجي، لم نرَ صراعًا داخليًا، ولا تحولات نفسية، ولا لحظات كشف حقيقي للشخصية، رأينا أم كلثوم كصورة، لا ككائن حي يتنفس الفن والقلق والإصرار والطموح.
وفي هذا السياق، يبرز أداء “زكى” بوصفه أحد أكثر عناصر الفيلم إثارة للجدل النقدي، فالممثلة لم تُقدَّم كفاعل درامي يعيد بناء الشخصية من الداخل، بقدر ما وُضِعت داخل قالب أم كلثوم الجاهز بصريًا وسمعيًا،وأعادت إنتاج الشخصية من الخارج، أي أن الدور أحاط “منى زكي” بهيئته وملامحه وتفاصيله الخارجية، دون أن نلمس محاولة كافية لاحتواء الشخصية نفسيًا أو لإعادة تركيبها وجدانيًا، فتحرّك الأداء في مساحة كبيرة بين التقليد والتقمص الشكلي، ولم ينجح من نوع يبهر المشاهد، ولا لتراكم الخسارات، ولا للثمن النفسي الذي دفعته البطلة مقابل المجد، وبذلك بدا الأداء أقرب إلى محاكاة ضعيفة لا إلى خلق درامي، فظهرت وكأنها روبوت في هيئة “أم كلثوم “، والمقارنة هنا ليست ترفًا نقديًا، بل ضرورة، وبالعودة قليلا إلي مسلسل “أم كلثوم” والدور التاريخي الذي قدمته الفنانة ” صابرين” أرى أنه يعيد صناعة مجد هذه الفنانة من جديد، ويخلق استحضار قويا للمسلسل في حضور الفيلم، وأراه انتصارا
فنيا لصابرين ، والمقارنة تستحضر أيضا حين قدّم “أحمد زكي” شخصيتي السادات في «أيام السادات» وعبد الناصر في «ناصر 56»، والذي لم يكتفِ بالشبه أو الإيماءة، بل صنع روحًا كاملة للشخصية، وفتح مساحات إنسانية خلف القرار والخطابة، والتمثيل الفارق بين التجربتين والفيلم الحالي شاسع، ويكشف غياب عمق الفن وهشاشة الإجادة في «الست».
“دراما بلا عمق وغناء بلا نشوة”.
الأكثر إيلامًا أن الفيلم أخفق في الجانبين، الدرامي والغنائي، دراميًا، غابت التفاصيل الصغيرة التي تصنع العمق، لم نشهد بحرفية لحظات التكوين الأولى، ولا صدامات الداخل مع الخارج، ولا ثمن النجاح، وغنائيًا، لم نُمنح متعة السماع الحقيقي، لم نُسحب إلى عالم «الآهات»، ولا إلى تلك اللحظات التي كانت أم كلثوم فيها قادرة على إيقاف الزمن بنبرة أو مقام، لم يحدث المزج الضروري بين الفن والحكاية، الأغاني جاءت كملحق، لا كجوهر، وكأن الفيلم يخشى الغناء بدل أن يحتفي به، فلا نحن انغمسنا دراميًا، ولا انتشينا طربيًا.
“الفيلم خال من الدهشة وبالتالي تخلى عن موضوعه”
يبدو أن غياب الرؤية الإنتاجية الضاربة بجذورها في عمق الثقافة والفن المصري لعب دورًا أساسيًا في هذا الإخفاق الفنى، لو كانت هناك مغامرة حقيقية من مؤسسة مصرية واعية بقيمة الرمز، لاقترب الفيلم خطوة من جوهر أم كلثوم، لا من صورتها فقط، ما حدث هو صناعة عمل شكليًا، لكنه خالٍ من الدهشة، والدهشة هي الحد الأدنى حين نتحدث عن كوكب الشرق، لذا يصح القول أن نصف الفيلم اكتفى بأن يضع قناعها على وجه ممثلة موهوبة، دون أن يمنحها مفاتيح الروح، فخرج العمل بلا عمق درامي، وبلا نشوة غنائية، وبلا أثر باقٍ، لأن “أم كلثوم” أكبر من أن تُختزل في مكياج وملابس، وفيلم كهذا.
“كثرة الشخصيات وندرة التأثير”
أما كثرة الشخصيات المشاركة، فلم تُثمر شبكة درامية حقيقية، فالأدوار الثانوية لم تُكتب باعتبارها عناصر فاعلة داخل السرد، بل حضرت في صورة لقطات متفرقة، وجود عدد كبير من الممثلين لا يصنع فيلمًا قويًا، ما لم تكن هذه الشخصيات جزءًا من المعنى، لا مجرد شواهد عليه، وهو ما ظهر جليًا في طيّات الفيلم، فلم يعطى أيضا للمشاهد ربما ما توقعه، ففقد المشاهد حماستها، حتى دور الشاعر الكبير” أحمد رامي” والذي قدمه الممثل “محمد فراج” وصم بالاستسلام والانزواء برغم من أن واقع العلاقة والتعامل الفنى والإنساني بريء تماما مما طرح ، فهل يعقل أن يقدم الواقع حكاية تحمل مفردات غنية بالأحداث وتأتي المشاهد بهذا الضعف.
وأخيرا …..
تبقى أم كلثوم، الست التي لم يعطها هذا الفيلم حق قدرها، أسطورة تتجاوز أي سيناريو أو تمثيل، الفيلم حاول أن يقترب منها، لكنه خرج عاجزًا عن حمل ثقلها الحقيقي، وبينما يظل صوتها يتردد في وجدان الجماهير، يذكرنا هذا الفيلم بأن الأساطير لا تُروى بالمظاهر وحدها، وأن عظمتها تتجاوز أي محاولة للإحاطة بها، فتظل «الست» أكبر مما أراد هذا الفيلم أن يضعه بين أيدينا.
