عروبة الإخباري -كتب سلطان الحطاب –
رحل صديقي عبد الكريم مجاهد مرداوي، فقيد اللغة العربية ونحوها والعلامة المتخصص وصاحب أكثر من عشرين كتاباً محكماً في اللغة واللهجات والنحو وتاريخ اللغة.

وقد شغل عالم اللغة القديم الشهير ابن جني … صاحب كتاب الخصائص الذي استغرق جهد.. عبد الكريم وقدم فيه أطروحة مميزة.
التقيته في ليبيا سنوات السبعينات، عام 1973 وكنت اعمل في الاذاعة والتلفزيون في بنغازي، وفي التعليم وكان عبد الكريم يعمل في التعليم، وأمضينا سنوات حميمة وذكريات مشتركة.
فقد درس في ليبيا في مدينة البيضاء حيث جامعة الامام محمد ابن إدريس السنوسي الإسلامية
وتخرج منها بتفوق، وجاءني ذات يوم، وقال، (أحس أنني استطيع أن أقدم الأفضل) فقلت له ما الأفضل، قال، أريد السفر لاستكمال دراستي، فنظرت اليه باستغراب، وانا أعلم أنه لا يملك الاّ راتبه الشهري الذي بالكاد يكفيه وهو متزوج وعنده طفل، ققلت له من أين لك أن تفعل؟ فقال وأنت ايضاً أذهب لاستكمال دراستك، قال (جئت أودعك لأنني استقلت اليوم وسأسافر الى الاسكندرية للدراسة) فزادت دهشتي وأخبرت اصدقاءنا لنجلس معاً قبل سفره، كان مصّرا وقال ربنا يرزق، بالفعل سافر وسجل في الجامعة، ولا أعرف كيف تدبر أمره، وأجتهد وتفوق في الماجستير، ثم سجل للدكتوارة وتفوق ايضاً، وبحث عن عمل، فسافر الى اليمن واشتغل بالتعليم، وقال لي أنه في بلد اسمه، أب، وأمضى سنوات قبل أن يعود، وقد أعاد عائلته الى الأردن وانقطعت أخباره، وحين عاد الأردن، كانت حرب الخليج، وكان غزو العراق للكويت، وما حدث من مضاعفات ويومها بكى عبد الكريم كالأطفال على حال الأمة، وقد رأيته منفعلاً لأول مرة رغم أنني كنت اعرف أن لا علاقة له بالسياسية ومضاعفاتها وأن كل اهتمامه كان باللغة والعلم النظري والتأليف.
عاد الى الأردن وعمل في أكثر من جامعة أردنية خاصة ورسمية، واعتقد أن اقامته الأطول كانت في الجامعة الهاشمية، حيث أن تلاميذ كثر أحبوه واحبهم ودرس على مستوى الماجستير والدكتوارة، ومضى يعمل ويصدر كتبا بواقع واحد على الأقل سنوياً، وكتبه ناجحة ومثيرة ولافتة للانتباه وكلها في اللغة وعلومها، وفي تاصيل اللهجات والبحث في أصولها.
ظل يزرع ويجتهد ويكسب سمعة طيبة على المستوى العربي كله وقد طلبته جامعات عديدة ليعمل بها.
تقاعد عبد الكريم المرداوي، وقد تضاعفت جهده وانجز مجموعة جديدة من الكتب،
يوم الجمعة الماضي، كنت في الفراش اقلب تلفوني، وقد ألزمني المرض البقاء في السرير، فسقط الهاتف من يدي وأنا اقرأ خبر نعيه الذي جاء نتاج حادث، فأحسست بالفجيعة وتراكمت أمامي الصور والمشاهدات والذكريات القديمة المشتركة منذ نصف قرن والتي استجمعتها بحزن عميق لقد رحل عبد الكريم،رحل جزء من اللغة العربية، لم يكتب ولم يعلجه عبد الكريم .. ، رحل الرجل العصامي الذي ذهب للدراسات العليا دون أن يملك ما يكفيه لشهر، قال يمكنني أن اقدم الأفضل ومضى.
رحمك الله يا أبا نائل، فقد عرفني عليه في ليبيا صديقي الراحل يحيى مصلح أخ زوجته وأصبحنا اصدقاء لا نفترق، وجزاك الله عن العربية وخدمتها كل الخير، وستتذكرك الأجيال التي أحبت اللغة العربية، كواحد من سدنتها وسيذكرك طلابك الذين اعطيتهم الكثير
والعزاء لاسرتك التي تحملت وزوجتك البارة التي دعمت وصبرت وقدمت هذا الرجل للعربية، وسلام على روحك.
