صدر العدد الجديد من مجلة “فنون 58″، التي تصدرها وزارة الثقافة الأردنية، وهي مجلة فصلية، حافلة بباقةٍ متنوعة من الدراسات والمقالات التي تتقاطع عند أسئلة الإبداع والجمال والعلاقة المتحولة بين الفن والتكنولوجيا.
ويضيء العدد على قضايا ثقافية وفنية تمتد من الذكاء الاصطناعي والفنون الرقمية، إلى المسرح والموسيقا والتراث المعماري، مرورا بتجارب تشكيلية ونقدية تسعى إلى قراءة المشهد الفني المعاصر من زوايا إنسانية ومعرفية متعددة.
في افتتاحية المجلة “أول القول”، التي كتبها رئيس تحرير المجلة حسين نشوان بعنوان “الذكاء الاصطناعي”، يشير إلى رغبته في تعريف هذا المصطلح، كما يعبر عن اختلافه مع من يندرجون تحته في فهم مفهوم الذكاء الاصطناعي. وهو المصطلح الذي أطلق على العمليات التي تتم داخل أجهزة الحاسوب، ويطلق عليها وصف “الذكاء”، رغم أنها – في رأيه – لا تتجاوز كونها حِرفة تقنية.
وأضاف نشوان أن هذه العمليات يمكن وصفها بأنها عمليات بحث نمطية، تكرارية، تتبعية لشيء موجود مسبقًا، إذ تعيد إنتاج النصوص دون التحقق من صحتها أو أهميتها، ودون إحداث أي تغيير جوهري فيها. فهي، في جوهرها، تستعيد نتائج البحث من المخزن الآلي لكل ما كُتب حول الموضوع أو ما يشبهه، وهذا لا يُعد تفكيرًا، بل هو استعادة لمقاطع جاهزة أو استخراج “تنصيصات”، تتوافق مع ما يُطلب من جهاز “الكمبيوتر”، أو “الهاتف”، أو أي وسيلة أخرى يمكن إدراجها تحت مسمى الذكاء الاصطناعي.
ومن هنا، ينطلق النظر إلى المفهوم أو المصطلح أو العملية من زاوية إنسانية ثقافية معرفية، تركز على دراسة العلاقة بين العمليات النفسية (العقل والعاطفة) والتنوع الثقافي. ووفق هذا الفهم، فإن الذكاء ينطوي على الابتكار، أي إنتاج شيء من لا شيء، وهو نشاط عقلي وذهني ووجداني وفكري ومعرفي يقوم به العقل الإنساني.
ويُعرف الذكاء، بهذا المعنى، بأنه القدرة العقلية على التفكير والتحليل والاستنتاج والتعلم وحل المشكلات، إضافة إلى القدرة على إدراك المعلومات وتطبيقها في سياقات جديدة. بينما يقصد بما يُسمى بـ”الذكاء الاصطناعي”، محاكاة بعض قدرات البشر في التعلم والفهم والإبداع واتخاذ القرارات المستقلة، دون أن يرقى إلى مستوى الذكاء الإنساني بوصفه فعلًا إبداعيًا واعيًا.
يقول سمو الأمير الحسن “إن أطول مسافة يمكن أن يقطعها الإنسان هي المسافة بين العقل والقلب. وهي، بالقياس السنتيمتري، لا تتجاوز خمسين سنتيمترًا، لكنها، في بعدها المعرفي، تنطوي على أكوان من الكلمات والصور والأفكار والمشاعر والأحاسيس. تلك الأكوان تبتكر ما وراء الموجود عبر الخيال، الذي وصفه أينشتاين بأنه أهم من المعرفة، لأن المعرفة محدودة، بينما الخيال يشمل العالم بأسره.
إن ما ينقص الذكاء الاصطناعي هو الشعر؛ ذلك الخيال الذي يمتلكه الأديب والفنان، كما تنقصه العاطفة التي تزهو تحت أضلاع الأم، وتتفتح زهرةً في قلب العاشق.
نحن لا نريد ذكاءً اصطناعيًا ميكانيكيًا يحول عواطفنا إلى أرقام، ومشاعرنا إلى أشكال صماء، وأفكارنا إلى اقتباسات جافة، وأيدينا إلى قطع معدنية من براغٍ وزنبركات، ولا أن يحول النص إلى “بلوكات”، جامدة، واللوحة إلى تبقيعات لونية باردة.
نريد أن نعود إلى شغف طفولة الأسطورة، تلك التي تحول الكون إلى صورة ضبابية غامضة، لكنها تمس القلب. نريد ذكاءً ممزوجًا بالحلم والمتخيل”.
يتضمن هذا العدد مجموعة متنوعة من الموضوعات الثقافية والفنية، حيث كتب رئيس التحرير عن “الذكاء الاصطناعي”. كما كتب إبراهيم السواعير عن “جرش 39 – أوبريت – على أُرى المجد”، وكتب علي الجيزاوي عن “الزخرفة الإسلامية: ألوان زاهية واستخدام ماهر للقوانين الرياضية في التصميم بين العناصر المختلفة”.
وكتبت فداء الحمزاوي عن “ليالي المسرح الحر الدولي: حين تلتقي خشبات العالم في قلب عمّان”، فيما كتب نعمان الطراونة عن “بيوت قريتنا الطينية: الحجارة إذ تبوح بالحكايات”. وكتب سامر المعاني عن “(بيت عرار): متحف يؤرخ للشاعر الأردني”، وكتب الدكتور يحيى البشتاوي عن “روبرت ويلسون ومسرح الرؤى: أوبرا الصمت”، كما كتب الدكتور نضال نصيرات عن “الذكاء الاصطناعي: آفاق جديدة في تعليم الموسيقا”.
وكتب الدكتور موفق الستار عن “النقد الفني بين الفلسفة وعلم الأعصاب”، فيما كتب غسان مفاضلة عن “عبد الرؤوف شمعون: العالم في مرمى التهتك والجمال”. وكتب الدكتور منذر العلوم عن “النحت الخزفي: جماليات الطين”، وكتبت لانا أرناؤوط عن “الفن فضاء حر لتعزيز قدرات الطفل واكتشاف مراحل نموه”. كما كتب الدكتور حلمي ساري عن “المكان: فضاء سردي للإبداع”، وكتب محمد العامري عن “الإبداع الآلي في منافسة مع الإنسان”.
وفي سياق العلاقة بين الفن والتكنولوجيا، كتب الدكتور صهيب علي الهروط عن “قوانين استخدام الذكاء الاصطناعي في الفنون بين الحرية والإطار القانوني”، وكتبت ضحى أولاد نصيرة عن “الإبداع الفني في زمن التكنولوجيا: السينما والفنون البصرية بين التحول والتحدي”.
وكتب غازي النعيم عن “الفن الرقمي في الإبداع التشكيلي حين يحل الكمبيوتر محل القماش والورق، وتحل الفأرة محل الفرشاة”، فيما كتب غسان أبو لبن عن “الفن المعاصر والتكنولوجيا: الجدلية الجمالية بين الوجود والتحول الأخلاقي”. وكتب إبراهيم الحيسن عن “الفن والتكنولوجيا: هل صدقت نبوءة والتر بنيامين؟”، وكتب حسن المجالي عن “سؤال الجمال وتمكين الذات”، وكتب الدكتور خالد الحمزة عن “متحف بيكاسو في برشلونة”، كما كتب هاني حوراني عن “الصور الفوتوغرافية والمواد البصرية: مصدر الكتابة التاريخية”.
وفي زاوية “رف الكتب”، كتبت ميرفت هليل، كما كتب عاقل الخوالدة نصًا بعنوان “النص/النص: أمنيات الشاعر البدوي”.
ويرأس تحرير مجلة “فنون” حسين نشوان، ويتولى إدارة التحرير حسين دغيمات، فيما تضم هيئة التحرير كلا من: عدنان مدانات، الدكتور إبراهيم الخطيب، والدكتور فؤاد خصاونة. وتشغل سناء العبداللات منصب سكرتيرة التحرير، ويتولى التدقيق اللغوي عبد الباسط الكيالي، فيما يشرف على الإخراج الفني يوسف الصرايرة.
