من أحلى ذكريات الدراسة في مستهل المرحلة الإعدادية الدخول إلى عالم جديد في القرطاسية يتضمن إلى جانب «المقلمة»، حقيبة خاصة كانت لدى أبناء جيلي الستّينيّ شبه موحّدة. دخل الناس كان متقاربا، بل وأقرب منه إلى متطلّبات التعليم الموحد خاصا (أهليا) كان، أم حكوميا (عموميا). الأهالي على اختلاف مداخيلهم -ولم يكن زمن الاقتراض من البنوك قد أتى- كانوا يقطعون كما يقال «اللقمة عن الفم» لإتمام متطلبات التعليم الرئيسية لفلذات أكبادهم، ومنها القرطاسية المرتبطة بالواجبات المدرسية التي تعرف لدى دول الجوار الشامية بمصطلح «الفُروض»، ربما لأننا كأردنيين -من شتى الأصول والمنابت- أكثر تقبّلا لمصطلح «الواجب»، والإقبال عليه حبا وكرامة، عوضا عن الخضوع إليه، تفاديا لسخط المدرس أو طمعا في رضاه وعلاماته.
تلك المحفظة أو الحقيبة كانت معدنية وعليها خارطة العالم. ما عدت أذكر إن كانت صناعة محلية أو مستوردة. ولمن يذكر تفاصيل تلك الأيام «البركة» -ولكل موسم بركاته الإلهية ونعمه الربانية- كانت أهم ما في القرطاسية المثلث المعدني أو الشفّاف، والبيكار.. هذا الأخير كان موضع استكشاف غير مؤذٍ، حيث كنا نحرص على تثبيت، غرس أو «غزّ» الورقة -خلال التمارين الهندسية الصفيّة- محمية بدفتر يصون طاولة المقعد الدراسي الذي كان خشبيا، دهانه عسليّ اللون، «كماليكا أو ورنيش»، ذا لمعة مازالت تحافظ على بريقها، رغم مرور ثلاثة أرباع القرن -قبل عامين- على تأسيس مدرستي -كلية تراسنطة- الرابضة على قمة جبل الياسمين -اللويبدة- في عمّان الحبيبة.
من الدروس الماسية التي لا ينساها رفاق العلم في مبحث الرياضيات -والهندسة على وجه الخصوص- هي التعامل مع البيكار كرمز للبوصلة التي لا تكتسب قيمتها مما يظنه الناس مجرد تحديد الاتجاهات وكفى، بل وزوايا الرؤية. كلا الأمرين كما علّمنا أصحاب الفضل والسبق، معلمّونا في البيت والمدرسة والحارة والمؤسسة والشركة، أقول كلا الأمرين كما علمنا أول أستاذ مهندس في الصف السابع (الأول إعدادي) كان ضرورة حسن الاستعداد والإعداد لخوض غمار الحياة ومضامير سباقاتها، عبر حسن اختيار نقطة الارتكاز البيكار، ومن ثم النظر والتأمل في الزاوية المناسبة لانفراج ذراعه المتحرك، حتى تكتمل الدائرة ونضع كل شيء في مقامه، بحسب قدرنا لا بحسب مقدار المستهدف بالنظر أو الرسم، أو تحديد البعد أو القرب من المركز.
هي مجرد تأملات رافقتني في رحلة إلى الإمارات الشقيقة في عيدها الرابع والخمسين حيث أكرمني الله وأسرتي بزوايا مميزة لمتابعة فعاليات سباق «فورميُلا-وَنْ» العالمي. فرحت أن رهاني قد تكلل بالنجاح بتتويج المتسابق لاندو نورِس بطلا لفورميُلا وَنْ-أبو ظبي 2025 . كان رهاني على لاندو وفريق مَكْلارِنْ، مقابل من ظن كثيرون أنه الفائز وهو ماكس فيرستابن ضمن فريق فِراري الذي لم يتمكن من الاحتفاظ بلقبه بفارق نقطتين فقط..
معرفتي بالرياضة «سكر خفيف» وفي هذا النوع من السباقات «على الرّيحة»، لكن درس معلمي في الهندسة في الصف الأول إعدادي كان حاضرا وملهما، فالعبرة ليست بالسرعة ولا بقوة المحرك ولا احتمال الإطارات للاحتكاك الذي تولده السرعة والانعطافات والكوابح، العبرة فيمن يملك المقود وبفريق العمل المتخصص الذي كان يتواصل معه لا سلكيا عبر قناة واحدة على موجة واحدة طوال السباق، للتوجيه في السرعة المناسبة والاتجاه المناسب، في والزمان والمكان المناسبين، وقد شهدت ذلك كله كبعض المحترفين في متابعة تلك السباقات على شاشتين، شاشة العرض الرئيسية من مكان الحدث وعيني المجردة على المضمار والخائضين غماره والمراهنين على فرسانه.
من الآخر، العبرة في كسب السباق -أي سباق- رياضي وغير رياضي في ميادين الحياة كافة هو في هندسة سلاحها البيكار، لا أماني ولا قوافي!!
وسّع البيكار* بشار جرار
2
المقالة السابقة
