عروبة الإخباري –
في زمنٍ تتسارع فيه الأخبار حتى تفقد معناها، وتُختزل فيه الحقيقة بعناوين عابرة، تظهر، الإعلامية المميزة، نوال الأشقر كاستثناءٍ مهنيّ نادر، يعيد للكلمة ثقلها، وللسؤال هيبته، وللإعلام دوره الطبيعي كسلطة وعي لا أداة استهلاك، فهي ليست إعلامية تُجيد الظهور، بل تجربة متكاملة تُراكم المصداقية بهدوء، وتكتب حضورها من موقع الفهم العميق لا الصخب العابر.
نوال الأشقر لا تلاحق الحدث بل تحاصره بالمعرفة، ولا تكتفي بنقل المعلومة بل تُعيد تركيبها في سياقها السياسي والاقتصادي والإنساني. تمارس الإعلام كمسؤولية أخلاقية، وكفعل ثقافي، وكخيار مهني واضح في مرحلة يتقدّم فيها الضجيج على المعنى.
اتساع المساحة… من السياسة إلى الثقافة
تتميّز نوال الأشقر، باتساع مساحتها المهنية، فهي تكتب السياسة بعمق العارف، والاقتصاد بدقّة المحلّل، وتواكب الفن والثقافة بوصفهما جزءًا أصيلًا من هوية لبنان وصورته في العالم. هذا التنوّع لم يكن تشتّتًا في الاهتمام، بل انعكاسًا لرؤية إعلامية شاملة ترى في الصحافة فعل معرفة متكامل، لا اختصاصًا ضيّقًا، وتؤمن بأن فهم الواقع لا يكتمل من زاوية واحدة.
محطة مفصلية: حوار سيادي يتجاوز الحدود
وشكّل مطلع هذا العام محطة مفصلية في مسيرتها، مع المقابلة التلفزيونية المميّزة والاحترافية التي أجرتها مع رئيس الوزراء اللبناني د. نواف سلام، في أولى الحوارات الرئاسية التي اتّسمت برصانة الطرح وجرأة السؤال وهدوء الأداء. لقاءٌ لاقى صدى واسعًا تخطّى الحدود المحلية إلى الإقليمية والدولية، وأكّد مكانة نوال الأشقر كإعلامية قادرة على إدارة الحوارات السيادية الكبرى بثقة واقتدار، وعلى تمثيل الإعلام اللبناني في محطات مفصلية من تاريخه المعاصر.
حين يتحوّل “لبنان اليوم” إلى مساحة دولة
من خلال برنامجها “لبنان اليوم” على شاشة تلفزيون لبنان، استطاعت نوال الأشقر أن تعيد الاعتبار إلى الإعلام العام، لا بوصفه شاشة رسمية فحسب، بل كمنصّة سيادية للفكرة والنقاش. تحوّل البرنامج إلى مساحة مساءلة وطنية حقيقية، تُطرح فيها الأسئلة الثقيلة بلا تردّد، وتُناقش الملفات المصيرية من دون تلطيف أو تهويل.
استضافت كبار المسؤولين والفاعلين السياسيين والاقتصاديين، من رؤساء حكومات ووزراء ونواب وخبراء وأكاديميين، وأدارت الحوار بثبات وهدوء وثقة، مانحة الضيف حق الشرح، من دون أن تتخلّى يومًا عن حق المشاهد في الحقيقة.
اقتصاد يُفهم… لا يُخوَّف به
في واحد من أكثر الملفات تعقيدًا وحساسية، برزت نوال الأشقر كصوت اقتصادي رصين، يملك القدرة على تفكيك الأرقام وتحويلها إلى سردية مفهومة. من صندوق النقد الدولي، إلى مصير الودائع، والسندات اللبنانية، والضرائب، والتصنيفات المالية، والذهب والسيولة النقدية، قدّمت قراءة معمّقة بعيدة عن الشعبوية والتهويل، أقرب إلى دور الباحث الصحفي منها إلى ناقل الخبر السريع.
سياسة بلا انفعال… ومساءلة بلا مجاملة
سياسيًا، اختارت نوال الأشقر موقع الصحافة الصافية، بعيدًا عن الاصطفافات الحادّة. لم تتحوّل إلى جزء من المعركة، لكنها لم تقف على الحياد السلبي. كانت أسئلتها موجّهة للجميع بالمعيار نفسه، ومواقفها نابعة من مصلحة الدولة والمؤسسات، ما أكسبها احترام مختلف الأطراف ورسّخ مصداقيتها.
من لبنان إلى الإقليم… قراءة تتجاوز الجغرافيا
وسّعت الأشقر مقاربتها لتشمل الإقليم والعالم، قارئة التحوّلات العربية والدولية وارتداداتها على لبنان، واضعة البلد في سياقه الطبيعي كجزء من معادلة أوسع، لا كحالة معزولة. هذا البعد الاستراتيجي منح محتواها عمقًا إضافيًا ورفع سقف النقاش الإعلامي المحلي.
الثقافة كفعل حياة
إلى جانب السياسة والاقتصاد، واكبت نوال الأشقر المشهد الثقافي والفني اللبناني، من مهرجانات بيت الدين إلى الفعاليات الإبداعية الكبرى، مقدّمة الثقافة كجزء من هوية لبنان الحقيقية وكقوة ناعمة في مواجهة الانهيار.
حصاد عام… وتكريس تجربة
حصاد هذا العام لم يكن عدد حلقات أو مقالات، بل مسارًا مهنيًا متصاعدًا كرّس نوال الأشقر كواحدة من أبرز الأصوات الإعلامية اللبنانية التي لا تزال تؤمن بأن الصحافة فعل وعي، وأن السؤال مسؤولية، وأن الكلمة حين تُقال في مكانها الصحيح تصبح موقفًا وطنيًا.
تأثير مباشر… وإشادة شخصية
لا يمكن إنكار أن كاتب هذه السطور قد تعلّم الكثير من نوال الأشقر، التي لم تبخل عليه بالمعلومة الصحيحة، ولم تدخر جهدًا في توضيح الحقائق بوضوح ودقة. حضورها الإعلامي لا يقتصر على الشاشة أو الصفحة، بل يمتد إلى من حولها، كمنارة معرفة تُلهم الصحفي والمشاهد على حد سواء، وتعيد التأكيد أن الإعلام الحقيقي هو فعل تعليم وإثراء لا مجرد نقل خبر.
نوال الأشقر اليوم ليست مجرد إعلامية ناجحة، بل عنوان لصحافة تشبه الدولة التي نريدها… وتستحقها.

