عروبة الإخباري –
حين تعجز المفردات عن احتواء المعنى، وتضيق العبارة عن حمل الرسالة، تُستدعى رُلى السماعين لا بوصفها كاتبة، بل بوصفها ضرورة لغوية ووجدانية.
فهي ليست صوتًا يعلو في المشهد، بل ميزانًا يُعاد به اتزان الكلمة، ولا قلمًا يمرّ على الورق، بل أثرًا يُقيم فيه المعنى طويلًا.
رُلى السماعين اسمٌ إذا ذُكر، استقامت اللغة، وإذا كُتبت حروفه، تراجعت الضوضاء احترامًا.
في حضورها، تستعيد الصحافة هيبتها الأولى، وفي نصوصها، يعود للحوار شرفه، وللفكرة وزنها، وللكلمة مسؤوليتها التي كادت تُنسى.
هي امرأة لم تتكئ على الصخب، ولم تُساوم على المعنى، اختارت أن تكون هادئة بعمق، قوية باتزان، حاسمة بحكمة.
فكانت كتابتها وطنًا صغيرًا من الأخلاق، وكان قلمها ذاكرةً لا تُزيّف، ومرآةً لا تُجامل، ونبضًا لا يخون.
تحمل الأردن في وعيها لا كجغرافيا تُرسم، بل كقيمةٍ تُصان، وتكتب الإنسان لا كعنوانٍ عابر، بل كجوهرٍ مقدّس لكل سؤال.
تغزل من السياسة حكمة، ومن الثقافة ذاكرة، ومن الحوار جسرًا لا ينكسر مهما اشتدّت الرياح.
وفي زمنٍ استُهلكت فيه الأصوات، تقدّمت رُلى السماعين بخطى المعنى، لا بخطى الادّعاء، فصار حضورها شهادة على أن الكتابة ما زالت قادرة على أن تكون شريفة، وأن الصحافة ما زالت قادرة على أن تكون فعل ضمير، لا صدى مصالح.
هي لا تكتب لتُدهش، ولا تحاور لتنتصر، ولا تحضر لتُرى، بل تكتب لأن الصدق لا يحتمل التأجيل، وتحاور لأن الصمت في لحظات الحقيقة خيانة، وتحضر لأن الغياب حينها تخلٍّ عن الواجب.
هذه ليست مقدّمة اسم، بل وقفة إجلال أمام تجربةٍ نادرة، قلمٍ إذا كتب… أعاد للغة طهارتها، وللوطن صوته الهادئ، وللإنسان مكانته الأولى.
رُلى السماعين… حين تُصبح الكلمة قدرًا، ويغدو الحبر شهادةَ وفاءٍ للمعنى.
الكلمة موقف… لا انحياز
حين تكتب عن الأردن، لا تفعل ذلك من موقع الدفاع الأعمى، ولا من منصة التبرير، بل من موقع الفهم العميق للدولة بوصفها فكرةً إنسانية قبل أن تكون كيانًا سياسيًا.
في مقالاتها عن الثوابت الوطنية، والدور الهاشمي، والسياسة الخارجية الأردنية، يبدو الوطن كقيمة أخلاقية تتقدّم على اللغة، وتسبق الشعارات.
هي لا تصرخ باسم السلام، بل تشرحه. ولا ترفع راية الحوار، بل تمارسه.
ولهذا جاءت كتاباتها عن السِّلم المجتمعي، ومواجهة التطرف الفكري والرقمي، وخطورة غرف الصدى الإعلامية، نصوصًا مؤسسة للفهم، لا مجرد تحذيرات عابرة.
المرأة… من الهامش إلى مركز المعنى
لم تتعامل رُلى السماعين مع قضايا المرأة باعتبارها ملفًا دعائيًا، بل باعتبارها سؤالًا حضاريًا.
في مقالاتها عن المرأة والدبلوماسية، والمرأة وصنع القرار، والمرأة في مواجهة التطرف، تنزع الخطاب من ثنائيّة الضحية والبطلة، وتعيد المرأة إلى موقعها الطبيعي: فاعلًا واعيًا في تشكيل الوعي العام.
تكتب عن المرأة بلا خطابٍ استجدائي، وتدافع عنها بلا عدائية، وتضعها في قلب المشهد لا على أطرافه.
الثقافة… حين تكون الذاكرة مسؤولية
في المشهد الثقافي، تتجلّى السماعين بوصفها حارسة للذاكرة لا مجرّد ناقلة للحدث.
حواراتها مع الأدباء، والروائيين، والمفكرين، ليست أسئلة صحفية تقليدية، بل مساحات كشفٍ هادئ لما وراء النصّ والتجربة.
في نادي الكتاب، وفي لجنة النشرة بالنادي الأرثوذكسي، أدارت الثقافة بعقل الدولة ووجدان المثقف؛ فكانت الأمسيات الفكرية منصّات حوار، لا مناسبات اجتماعية، وكان الندوات جسور معرفة، لا عروضًا بروتوكولية.
وحين كتبت عن التاريخ الأردني – من مكاور إلى مادبا، ومن يافا إلى عمّان – فعلت ذلك بروح الباحث لا بروح السارد، مؤكدة أن الهوية لا تُحفظ بالتكرار، بل بالفهم.
الصحافة بوصفها فعل سلام
في تجربة رُلى السماعين، لا تنفصل الصحافة عن الأخلاق، ولا يُختزل الإعلام في السبق.
هي ترى الكلمة أداة بناء، لا سلاح هدم، وترى الحوار ضرورة وجودية، لا ترفًا فكريًا.
لذلك جاءت مقالاتها عن التطرف، والهجرة، والصراعات، قراءةً إنسانيةً تتجاوز الانقسام الثنائي، وتبحث عن الجذور لا الأعراض، وعن الحلول لا الاتهامات.
الإبداع… حين تكتب الروح نفسها
وفي الأدب، كما في روايتها «تفوح ناردينًا»، تنكشف رُلى السماعين بلا أقنعة مهنية؛
تكتب الوجع بوصفه معرفة، والذاكرة بوصفها شفاء، والأنثى بوصفها كيانًا كاملًا لا فكرة ناقصة.
الرواية عندها ليست خروجًا من الواقع، بل غوصًا فيه، وليست بوحًا ذاتيًا فقط، بل مساءلةً للإنسان في هشاشته وقوته معًا.
خلاصة التجربة
في حصيلة عامٍ واحد، تتكاثف المقالات، والحوارات، والندوات، والكتب، لكن القيمة الحقيقية لتجربة رُلى السماعين لا تُقاس بالكثرة، بل بالأثر.
هي تجربة تقول بوضوح: إن الصحافة يمكن أن تكون نبيلة وإن الإعلام قادر على ترميم المعنى وإن الكلمة حين تُكتب بصدق، لا تحتاج إلى ضجيج وإن المرأة حين تمتلك وعيها، لا تحتاج إلى رفع صوتها
رُلى السماعين…
ليست حالة إعلامية عابرة، بل تجربة وعيٍ متراكمة، تكتب لتُبقي المعنى حيًّا، وتحاور كي لا ينكسر الجسر، وتؤمن أن الوطن يُحمل بالقلب… ثم يُكتب بالحبر.
