عروبة الإخباري –
منذ تأسيس “إسرائيل”، شكّل الدعم الغربي، وفي مقدّمته الدعم الأمريكي، الركيزة الجوهرية لأمنها القومي وضمان تفوقها العسكري واستقرارها الاقتصادي والدبلوماسي. لكن أيّ انسحاب مفاجئ لهذا الدعم سيُحدث تحوّلاً عميقاً بالمشهد الفلسطيني والإسرائيلي، بل وبالتوازنات الإقليمية والدولية. فهذا السيناريو الافتراضي يكشف هشاشة البنية القائمة، إذ إنّ استقرار إسرائيل يرتكز بدرجة كبيرة على المساندة الغربية، ما يستدعي مراجعة شاملة لمستقبل المنطقة والعالم في ضوء المتغيرات المحتملة والمعادلات الجديدة.
وبما أنّ غياب المظلة الغربية سيضعف بالضرورة التفوق العسكري الإسرائيلي، فإنّ ذلك يتيح للفلسطينيين مجالاً أوسع للحركة، ويعزّز حضورهم السياسي في المنظمات الدولية، كما يمنحهم فرصة لتوسيع أدوات المقاومة الدبلوماسية. وفي هذا السياق، سيشهد الموقف الدبلوماسي لفلسطين وللدول المؤيدة لها تحسّناً ملحوظاً، إذ لن يبقى الفيتو الأمريكي حاضراً بشكل دائم في الأمم المتحدة، ما يفتح الباب أمام تمرير قرارات أكثر عدلاً للقضية الفلسطينية. وفي ظل هذا المتغير المأمول، قد تتسارع خطوات الاعتراف الدولي بدولة فلسطين بعد زوال العائق الأكبر أمام صدور القرارات الداعمة لها في المؤسسات الدولية، وبذلك تزداد فرص الوصول إلى حل سياسي أكثر إنصافاً.
بما أنّ جانباً كبيراً من أمن إسرائيل يرتكز على المظلة الأمريكية، فإنّ أيّ انسحاب مفاجئ لهذا الدعم سيقود المجتمع الإسرائيلي إلى أزمة داخلية عميقة يمكن وصفها بالصدمة الاستراتيجية. كما أنّ اقتصادها، المعتمد على الاستثمارات الغربية والتكنولوجيا المشتركة، سيكون عرضة لهزّة حادة، في حين تفقد الغطاء السياسي والدبلوماسي في المحافل الدولية، وهو ما يعمّق عزلتها، ويجعلها أكثر عرضة للعقوبات والانتقادات.
على المستوى الإقليمي، تبدو أمام دول المنطقة فرصة لإعادة التوازن، وربما بناء تحالفات جديدة تعزّز الموقف الفلسطيني. كما أنّ بعض الأطراف ستتجه إلى إعادة صياغة سياساتها تجاه إسرائيل بين المواجهة والاحتواء، بدلًا من الاستمرار بالنهج التقليدي القائم على الحذر أو الحياد الظاهري. ومع تراجع قوة إسرائيل، يُرجَّح أن ينكمش دورها الإقليمي ويضعف تأثيرها في المعادلات السياسية، وهو ما يفتح المجال أمام قوى أخرى لملء الفراغ وإعادة رسم ملامح المنطقة.
أما على المستوى الدولي، فإنّ انسحاب واشنطن من دعم إسرائيل سيُفهم كإشارة إلى تراجع قدرتها على فرض أجندتها وحماية حلفائها في الشرق الأوسط، الأمر الذي يُعد مؤشراً على انحسار نفوذها العالمي. وفي ظل هذا الفراغ، ستسعى قوى كبرى إلى تعزيز حضورها في المنطقة، وإعادة ترتيب موازين القوى، بما يعكس تحولات أوسع في النظام الدولي.
رغم أنّ هذا السيناريو قد يبدو بعيداً، إلا أنّه يكشف هشاشة النظام القائم على الدعم الغربي لإسرائيل وقابليته للتغيّر. وهو بمثابة دعوة للفلسطينيين والعرب إلى الاستعداد لمثل هذا التحوّل عبر بناء مؤسسات راسخة وتحالفات استراتيجية فاعلة، إذ إنّ القضية الفلسطينية لا تُختزل في كونها نزاعاً محلياً، بل تمثل محوراً يعكس توازنات القوى العالمية، وقد تشكّل مدخلاً لإعادة صياغة النظام الدولي بأسره.
إنّ ما طُرح في هذا السيناريو يبقى افتراضياً، إذ إنّ الدعم الأمريكي والغربي لإسرائيل ما زال قائماً، ويمثّل أحد أعمدة قوتها العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية. غير أنّ التفكير باحتمال انسحاب هذا الدعم، يسلّط الضوء على أنّ استقرارها ليس ذاتياً، بل مرهوناً بمساندة خارجية. ومن هنا، فإنّ هذا التصوّر لا يصف واقعاً حاضراً، بل يبرز كيف يمكن لأيّ تحوّل بالموقف الغربي، أن يعيد رسم المشهد الفلسطيني والإقليمي والدولي، ويضع القضية الفلسطينية في قلب التحولات العالمية المقبلة.
