سلطان الحطاب –
“قولاً واحداً” لن أرسل قوات مسلحة الى غزة، كجزء من أي قوة دولية محتملة.
الملك قطع كل تخمين واجتهادات، وكما كان يقال في العربية “قطعت جهيزة قول كل خطيب”، ومن أراد أن يجتهد خارج النص الملكي، فعليه أن يقدم اجابات خاطئة.
نعم يرسل الملك قوات لحفظ السلام حين يصبح هذا السلام ناجزاً ويبحث عن من يحفظه ويصونه، ولكن لن يرسل قوات لفرض السلام، لأن في ذلك صدام مع فلسطين، مع المقاومة ومع أهل غزة، الذين ما زالوا يعيشون في أشكال من حرب الابادة التي تفرضها اسرائيل وتبث مناظرها على شاشات التلفزيون في التجويع والتعطيش وغياب الدواء والطعام والمستلزمات الأساسية للحياة والجلوس وسط المياه المتدفقة في الشوارع التي اغرقت الخيام إن كانت موجودة.
نعم، ما زال الوضع في مرحلة عض الأصابع، وما زال هناك حاجز ما بين فرصة السلام في غزة وما بين استمرار المعاناة فيي اقسى صورها.
رغم كل الضغوط القاهرة والشديدة، فإن الأردن ما زال يمسك بمواقفه التي يشاركه فيها معظم دول العالم والتي عبرت عن مناصرتها لإقامة دولة فلسطينية كحل لا بديل له.
الأردن ليس محايداً، أنه في قلب الصراع وفي قلب العملية السياسية التي أصبحت قريبة جداً، وتحملها المرحلة الثانية التي اقرت في قمة شرم الشيخ، والأردن حضر المؤتمر ورحب بقراراته وشجع على انفاذها وسعت الزيارات الملكية العديدة و آخرها الى جنوب شرق آسيا من أجل صيانة وقف اطلاق النار وتكريسه والبناء عليه في الانتقال الى المرحلة الثانية، حيث تفتح المعابر لتدفق المساعدات، وحيث يتم اختيار ادارة لحكم قطاع غزة، وتتجلى عوامل عدة للاجابة على سؤال اليوم التالي.
الملك عبد الله قال أننا قريبون سياسياً جداً، لكن هذا القرب لايعني ان يفرض السلام فرضا ، إذ أن الأردن لا يرغب البتة في الانخراط في دور عسكري مباشر، لأنه يدرك أبعاد ذلك وخطورته واضاعة أي فرصة للسلام والتهدئة، مؤكداً ان الأردن يرفض فرض السلام عبر قواته المسلحة، في حين يوافق الأردن على أن يكون جزءا من كل جهود استقرار مدنية أو أمنية مثل تدريب الشرطة، لكنه يرفض أي مشاركة تعتبر قوة عسكرية داخل غزة، وبدلاً من ارسال قوات، يركز الأردن دوره الآن على المساعدات الانسانية التي بدأها منذ الحرب الاسرائيلية على غزة، واستطاع أن يقدم رغم العقبات والصعوبات والمخاطرة نموذجا لم يقدمه أحد غيره، فالاغاثة الأردنية الى غزة، كانت في أوقات مبكرة حتى قبل السابع من اكتوبر وكذلك المساعدات الطبية والمستشفيات وارسال الطواقم الطبية من أطباء وأدوية وغير ذلك، وقبول مرضى وجرحى، وخاصة الأطفال المصابين بالسرطان والذين عولجوا بالمستشفيات الأردنية وما زالوا.
الأردن ما زال يرى أن الحل في غزة هو سياسي وأن العسكرية الاسرائيلية بكل ادواتها الباطشة وحرب الابادة والقتل الذي زاد عدد الشهداء فيه عن مائة ألف وكذلك من هم تحت الانقاض والجرحى والأسرى وهدم حوالي 90% من قطاع غزة، وتدمير البنية التحتية وتحويل القطاع الى مكان غير صالح للعيش رغم كل ذلك، لم تستطع اسرائيل أن تحقق أهدافها وما زالت تشتري الوقت وتزيد المعاناة وتماطل.
الأردن يرى أن البديل عن ارساله قوات مسلحة أو التدخل العسكري، هو في دعم حل سياسي يوفر الأمن للفلسطينيين عبر قوة أمنية فلسطينية يجري اعدادها وليس تدخلا عسكرياً أياً كانت مسمياته.
الكلام الملكي واضح، وقد أحيطت به مختلف دول العالم ولا يحتاج الى تأويل وفي اعرابه الواضح يعني أن أي قوة دولية في غزة لن تشمل الأردن، وهذا بدوره يؤثر على احتمالات مشاركة عربية واسعة.
ويبقى الباب مفتوحاً فقط أمام دور عربي مدني امني عبر تدريب ودعم الفلسطينيين بدل دخول عسكري مباشر، وهو ما فعله الأردن منذ سنوات بالتوافق مع السلطة الوطنية الفلسطينية في تدريب شرطتها، والموقف الأردني ينسجم وهو امتداد لموقف عربي ودولي آخر من دول المنطقة التي تفضل وتدعو الى حلول انسانية وسياسية وليست عسكرية.
الموقف الأردني عبر عنه جلالة الملك عبد الله الثاني، أكثر من مرة وفي أكثر من مقابلة ولقاء وزيارة وتصريح، هو موقف حاسم ضد أي تدخل عسكري عربي مباشر في غزة.
وقد حذر الأردن وما زال من أي قوة ترسل الى فرض السلام على الفلسطينين وان ذلك سيواجه بالرفض العربي، وأن دور الأردن هو سياسي انساني وليس عسكري، والموقف الأردني رحبت به دول عربية عدة وكذلك أجنبية، كما رحبت به المقاومة الفلسطينية في غزة، ورأت أن كلام الملك يعزز فكرة أن غزة يجب أن يديرها فلسطينون فقط، كما أن السلطة الفلسطينية في رام الله رحبت بالموقف الأردني، وأكدت على اهمية تدريب قوات الأمن الفلسطيني لتولي مسؤولية الأمن، وهو ما رحبت به مصر ايضاً التي جاء رأيها متطابقا مع الرأي الأردني، وملخصه، أي رأي القاهرة، لا ارسال قوات الى غزة، وقبول تدريب قوات فلسطينية فقط وأن أي تدخل عربي مسلح في غزة يجر المنطقة الى صراع مباشر.
والى جانب موقف الأردن ومصر، جاء موقف السعودية وقطر والإمارات في انه لا قوات عربية داخل غزة، في حين اكدت السعودية أن أي وجود عربي بديل عن الاحتلال يجب أن يكون بطلب فلسطيني وليس بفرض الأمن،
الموقف الأردني أصاب اسرائيل بخيبة وعبرت عن ذلك بضغوطات ما زال الأردن يتصدى لها باقتدار.
