في كوكب اليابان كما نحب أن نسميه تقديرا لتقدمه القياسي بعد كارثتي هيروشيما وناغازاكي، لطالما استوقفتني استجابة الإمبراطورية اليابانية لأكثر الظواهر الطبيعية عنفا ألا وهي الزلازل. لم تعق تقدم الشعب الياباني الصديق الودود الراقي، لا الزلازل ولا الهزات الارتدادية. بدأوا أولا بتعليم الأطفال منذ الصغر -و»العلم في الصغر كالنقش على الحجر»- بدأوا بتعليمهم كيفية حماية أنفسهم من الزلازل حيثما كانوا مكانيا وزمانيا، وكيفما كانوا على مقاعد الدرس أو في مخادعهم. المعرفة قادرة على ترويض كل شيء لا بل وتحويل التحديات إلى فرص واعدة، فكان أن ابتكر اليابانيون ما تعرف بعناصر مقاومات الزلازل في البنى التحتية الإنشائية، وكل ما كان فوق الأرض من مساكن وجسور. يذكر اليابانيون والعالم كله بخير المعماري الياباني الفذّ تاكو نيتو الذي صمم أول حائط مقاوم للزلازل عام 1916. الناظر لتلك الجدران «الاستنادية» والجسور وقواعد ناطحات السحاب يعلم -دون دراسة الهندسة المعمارية أو علوم الفيزياء وقوانين الحركة- يعلم ويفهم وبالتالي يوظّف قانون المرونة كعماد لتفادي انهيار المباني أو على الأقل، الحد من أضرارها.
تماما كما على الضفاف الأخرى للمحيطين الهادئ والأطلسي (الصاخب) سياسيا وأمنيا وجيولوجيا، تم التعامل مع الأعاصير في استجابة هي الأخرى تستند إلى المعرفة القادرة على تغيير السلوك بما يحقق الهدف عينه، ألا وهو تحويل الكوارث والتحديات إلى فرص وإنجازات.
حتى الإعلام له دوره، فأتت تسميات الأعاصير بأسماء يغرق البعض في الوقوف عند دلالتها وفقا لفهمه الخاص للثقافة والسياسة، والشؤون الطبيعية والروحية! العبرة أن المرونة هي القاسم المشترك للبقاء والنماء، ومن ذلك أتت مقولة راسخة في الثقافة الأمريكية ألا وهي «ابقِ الرأس منخفضا عند مرور العاصفة».. لا طأطأة في ذلك للرأس ولا ليّا للعنق -لا قدّر الله- لذلك قيل أيضا في الأمثال الأمريكية عن العناد السياسي والجمود الإيديولوجي، إن بعض القوى أو الأشخاص من ذوي «الأعناق المتيبّسة»، كناية عن فشلها المَرَضي والمزمن في تحقيق الحكمة الإلهية من وظيفة العنق القادر على حمل الهامة أولا عالية مرفوعة، ومن ثم الاستجابة إلى أوامر الرأس لا القلب في التوجه يمينا أو يسارا، وبالتالي القرار الأخطر ربما في الحياة يتمثل في التساؤل التالي: هل نمضي في الاتجاه نفسه أم نتخيّر الحكمة في تحديد الاتجاه الأنسب لمرحلة بعينها أو تحقيق هدف استراتيجي أو تكتيكي.
المستعرض لأخبار العالم من حولنا لا بعواجله، بل بسردياته أيضا، يرى بوضوح مدى الحاجة إلى الواقعية أولا والمرونة ثانيا ودائما، طلبا للبقاء والنماء، طبعا ما دام ذلك متسقا مع البوصلة الروحية والوطنية في التزام تام ثابت، لا يحيد قيد أنملة عن الحق. وللحق قوة كما للمعرفة أيضا، وللخبرات والمهارات قوى لا يستهان بها، نجّانا الله أجمعين من الزلازل والأعاصير وبلّغنا شاطئ الأمن والأمان دائما وأبدا.
مقاومات الزلازل مصدات الأعاصير* بشار جرار
3
