في حوار مميّز عبر إذاعة صوت أستراليا، التقت الإعلامية كلود خوري بالكاتبة والمحلّلة السياسية باتريسيا سماحة في لقاء حمل الكثير من العمق والوضوح. وقد تألّقت باتريسيا سماحة وأبدعت كعادتها، مقدّمة قراءة دقيقة للمشهد اللبناني، بأسلوب هادئ وتحليل رصين يعكس خبرتها الطويلة في الشأن العام. ومن جهتها، أظهرت كلود خوري مهنيّة عالية في إدارة الحوار، مطلقة نقاشًا غنيًّا جمع بين الرصانة الإعلامية والرؤية السياسية الواضحة، فشكّل هذا اللقاء مساحة صادقة لمقاربة زيارة البابا وانعكاساتها على الواقع اللبناني.
وقد شكّلت زيارة البابا إلى لبنان محطة استثنائية أعادت إبراز الوجه الروحي الحقيقي للبلاد، ولو لفترة قصيرة. فقد بدا لبنان خلال أيام الزيارة وكأنه يستعيد شيئًا من رسالته التاريخية القائمة على الحوار والتلاقي، بعيدًا عن الانقسامات التي أنهكته.
رسائل روحية وسط التراجع المسيحي في الشرق
وتوقّفت سماحة عند البعد الروحي العميق للزيارة، مؤكدة أن البابا أراد إعادة التشديد على الدور التاريخي للمسيحيين في لبنان، وضرورة ثباتهم في أرضهم رغم الظروف الصعبة التي يمرّون بها في المنطقة. واعتبرت أن ركوع البابا أمام ضريح القديس شربل وحمله شمعة مضاءة من الفاتيكان هو رسالة واضحة إلى الكنيسة اللبنانية حول التواضع وجوهر الدعوة.
إنفجار المرفأ… والجرح المفتوح
كما أشارت إلى المحطة المؤثرة في مرفأ بيروت، حيث التقى البابا أهالي الضحايا. وأكدت سماحة أن الملف القضائي ما زال معلّقًا بعد أكثر من عامين على الانفجار، وأن الزيارة أعادت إحياء المطالبة بالعدالة وكشف الحقيقة.
رسائل سياسية واضحة رغم الطابع الروحي
وعلى الرغم من الطابع الروحي للزيارة، رأت سماحة أن البابا لم يتجنّب الرسائل السياسية، خصوصًا تلك الداعية إلى السلام ورفض العنف والسلاح خارج إطار الدولة، إضافة إلى التشجيع على الحوار بين اللبنانيين. واعتبرت أن هذه الرسائل كانت دقيقة ومباشرة، وجاءت في وقت يحتاج فيه لبنان إلى مرجعية أخلاقية وروحية تذكّره بأولوياته.
رفع مستوى التفاوض: خطوة إيجابية
وفي سياق متصل، تطرّقت سماحة إلى قرار الحكومة تكليف شخصية مدنية—السفير سيمون كرم—بترؤس الوفد اللبناني في لجنة “الميكانيزم”، معتبرة أن هذه الخطوة تنقل ملف التفاوض إلى مستوى أكثر مهنية وتنظيمًا.
غياب جعجع: تساؤلات لا تزال قائمة
ولم تُخفِ سماحة استغرابها من غياب رئيس حزب القوات اللبنانية، الدكتور سمير جعجع، عن قداس مرفأ بيروت، معتبرة أن التبريرات التي قُدّمت غير كافية، وأن حضوره كان طبيعيًا باعتباره يترأس أكبر كتلة مسيحية وله دور سياسي وازن.
وانتهت باتريسيا سماحة حديثها بالتأكيد أن زيارة البابا تركت أثرًا واضحًا في نفوس اللبنانيين، لكنها في الوقت نفسه أعادت تسليط الضوء على الصعوبات التي تمنع ترجمة هذه الرسائل عمليًا. فلبنان ما زال مثقلًا بالأزمات، لكن الزيارة أعطت بارقة أمل، ولو قصيرة، بأن السلام ما زال ممكنًا.
