عروبة الإخباري –
في إعلامٍ يضجّ يوميًا بالضجيج، تبقى بعض اللقاءات استثناءً؛ لقاءات تُدار بالقلب قبل الميكروفون، وتُحاور الروح قبل الكلمات.
هكذا بدا لقاء الإعلامية كلاديس متى مع السيدة ديانا الدويهي، رئيسة جمعية “من قلب إيف”… لقاءٌ يشبه صلاة، يشبه وقفة بين يدَي وجعٍ يتحوّل نورًا، ورسالة تُنتزع من فم الفقد لتُعاد إلى الحياة.
كلاديس، بحضورها الرصين، وبصوتها الذي يعرف كيف يلامس الجرح دون أن يُنزفه، فتحت نافذة على حكاية أمّ… انتصرت على انكسارها بأن جعلت من اسم ابنها جسر نجاة لغيره.
في لحظة الحوار، لم تكن ديانا الدويهي ضيفة، كانت أمًا… شاهدةً على الحقيقة التي لا يستطيع الموت أن يُطفئها.
في زمنٍ يتغيّر فيه كل شيء، يبقى الألم الحقيقة الوحيدة التي لا تحتاج برهانًا. يوم توقّف قلب إيف، توقّفت معه أجوبة الحياة، وبقيت الأسئلة معلّقة في صدر أمٍّ تنزف بصمت.
لكن ديانا الدويهي، المرأة التي عرفت معنى الانهيار، قرّرت أن تعود واقفة… لا لأنها قادرة، بل لأنها أمّ، ولأن الحياة مهما قست، تبقى واجبًا تجاه من بقي وتجاه من رحل.
تروي ديانا لحظة الخبر: لا تحاول وصفها، لأن اللغة تضيق حين يكون الوجع بحجم السماء.
تقول: “ما خطر ببالي يومًا أن أكون أنا الأم التي يُنادى عليها من بوابة المستشفى… ولا الأم التي يختبر قلبها هذا النوع من الفراغ.”
لكنّها، رغم هذا السقوط العموديّ، اكتشفت أنّ الروح لا تفارق.
إيف غاب جسدًا… لكنه بقي نورًا، بقي فكرة، بقي حضورًا لا يغيب.
تضحك حين تذكره… وتعود لتتنهّد. بين الضحكتين، وبين تنهيدةٍ وأخرى، تصيغ ديانا فلسفتها التي تعلّمتها من الفقد:
“فيه قبل إيف… وفيه بعد إيف.”
والبعد ليس ظلمًا، ولا ضعفًا… إنه إيمان بأن الروح لا تُطفأ، بل تتبدّل أماكنها.
ومن هذا الإيمان وُلدت جمعية “من قلب إيف”. جمعية لا تبحث عن مجد، ولا عن صورة تذكارية. جمعية جاءت لتقول إن شابًا في الثانية والعشرين كان يستطيع أن يعيش لو كان في الملعب جهاز إنعاش.
“يمكن كان مكتوب يروح… بس يمكن لأ… ويمكن كان بين إيدينا نمدّله فرصة.”
خبر أحدًا.
لا طلب مالًا، ولا سلّط ضوءًا. كان يعطي من وقته، ويترُك أثرًا لا يُقاس.
تضحك ديانا، وتخنقها الدموع معًا: “إذا شاب بهذا العمر كان عم يعمل خير بالسر… أنا شو ناطرة؟” ومن هنا فهمت الرسالة. ومن هنا بدأت الرسالة.
اليوم، تتوسّع الجمعية، تكبُر، تُنقذ، تعلّم، تُشرّع قلب إيف لكل قلبٍ مهدّد بالتوقف.
وتقول ديانا للشباب: “اعطوا من وقتكن… مش ضروري مصاري. الزيارة، الكلمة، الحضور… هودي أهم بكتير.”
وتقول للأمّهات: “ما في وصفة للنهوض… كل قلب بيختار طريقه. بس الألم إذا ضلّ جوّا، بيكسر. وإذا طلع لبرا… بيصنع نور.”
وفي الختام، تخيّلت الإعلامية كلاديس سؤالها الأكثر وجعًا: لو إيف اليوم واقف قدّامك… شو بتقوليله؟
ومثل صلاة تخرج من صدرها، قالت ديانا: “بقلك يا إيف… نحن عم نكفّي كرمالك. إنت الفرح اللي ما بينطفي، والنور اللي خلّانا نقوم بعد ما وقعنا. يا مامي… ارتاح. نحنا عم نكفّي.”
